
بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
في مؤتمر صحفي صريح وواضح ، رسم حاكم مصرف لبنان ملامح ما وصفه بـ”الحرب القانونية” لاسترداد الأموال المنهوبة، وقد جاءت الرسالة التي ألقاها الحاكم جريئة ومباشرة في ملاحقة أي شخص “طبيعي أو معنوي” ثبت استنزافه لموجودات مصرف لبنان ، وتثبيت الحق القانوني للمصرف في الأموال التي وضعت بتصرف الحكومات . والوعد الأساسي هو تحويل هذه الأموال المستردة إلى سيولة لتسديد حقوق المودعين ، الذين تم تصويرهم على أنهم الهدف النهائي الوحيد لكل هذه الإجراءات.
لكن قراءة متأنية لما ورد في البيان ، ومقارنته مع الواقع العملي والتشريعات المطروحة ، تكشف عن فجوة هائلة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية. ويظهر المسار وكأنه يركز بشكل ضيق على ملاحقات فردية وقضايا جزئية مثل حساب “الاستشارات” وشركة “فوري” ، بينما يتجنب عمداً التعامل مع المسؤولية الجماعية للقطاع المصرفي التجاري وسياساته المنهجية التي أدت إلى الانهيار. وتتحول الحملة من مسعى شامل للمساءلة إلى أداة قد تُستخدم لرفع المسؤولية عن المصارف وتحميلها للمودعين والدولة، وهو ما تنذر به بوضوح مسودة “قانون الفجوة المالية” ومقترحات الصندوق الدولي.
يتضمن هذا البيان ثغرات استراتيجية هي غياب محاسبة المصارف والتدقيق في المبيعات المشبوهة لأصول المصارف منذ بداية الازمة ولغاية اليوم. وهذا الاستثناء الصريح والمتكرر للمصارف التجارية من دائرة المساءلة في بيان الحاكم جلي وواضح ، في حين هدّد باتخاذ إجراءات بحق جهات وشركات محددة وليس مصارف تجارية، وهذا التمييز لا يعكس الواقع .
ثمة تقارير تدقيق وبيانات رسمية تشير إلى أن مليارات الدولارات من أموال المودعين استُخدمت في تسديد قروض لمساهمين كبار ومقربين بأسعار تفضيلية ، إذ سُددت قروض دولارية بقيمة 35-40 مليار دولار بالليرة اللبنانية المنهارة ، ما يشكل “نهباً منظماً للثروات . كما تشير تقديرات إلى أن حوالي 38 مليار دولار هي تكلفة عمليات الهندسة المالية التي قادها حاكم المصرف المركزي السابق، وربما تم تحويل جزء كبير منها للخارج من قبل المستفيدين المصرفيين من خلال توزيعات الأرباح على مدى سنوات .
يعلن المصرف المركزي عن جمع معلومات حول تحويلات “الأشخاص المعرضين سياسياً”، لكنه لا يذكر شيئاً عن التدقيق في عمليات البيع الضخمة للأصول التي أجرتها المصارف التجارية منذ 2019 ، هذه العمليات ، التي غالباً ما تتم بأسعار مشبوهة ويمكن ان تكون لصالح أطراف ذات علاقة بهذه المصارف، وهو كان أحد أهم أوجه إفراغ القطاع المصرفي من الاموال الخاصة ، كما أن الامتيازات الضخمة والمكافآت التي تقاضاها كبار المسؤولين المصرفيين خلال الأزمة ، والفوائد المرتفعة التي استمرت في دفعها لبعض الحسابات ، كلها عناصر تُذكر في التشريعات المطروحة (مثل مشروع قانون الانتظام المالي) كأصول غير منتظمة يجب استعادتها ، لكنها غائبة تماماً عن أجندة الاسترداد التي أعلن عنها المصرف المركزي.

يضع بيان الحاكم استرداد أموال المودعين كهدف نهائي ، لكن المسار التشريعي الفعلي يتجه في اتجاه معاكس . وهنا يظهر التناقض الأكبر، فكيف يمكن للمصرف المركزي المطالبة باسترداد مليارات من الدولة في حين أن حكومةً يترأسها الرئيس نواف سلام تضم في تشكيلتها وزراء من خلفيات مصرفية بارزة ما يقارب ثلث الأعضاء لهم صلات مباشرة بالقطاع، وتقدم مشروع قانون يحمّل الدولة والمودعين العبء الأكبر؟.
ما يبدو من البيان كأنه هجوم جريء على الفساد ، لكنه يتحول عند قراءته في سياقه الكامل إلى جزء من استراتيجية أوسع لتمرير التسوية المالية . ان التركيز على حالات فردية وجرائم محددة وإن كانت حقيقية، يصرف الانتباه عن النظام الفاسد برمته. الحملة تخلق وهماً بالعدالة ، بينما هي تبطن تشريعات ستقونن الخسائر وتنقلها رسمياً من المصارف إلى جيوب المودعين وخزينة الدولة ، مع إعفاء القطاع المصرفي من المسؤولية الجوهرية.
المطلوب ليس ملاحقات انتقائية تظهر في المؤتمرات الصحفية ، بل إطار شامل للمساءلة يشمل كل الأطراف من سياسيين ومصرفيين ومستفيدين. نعم يجب أن يسبق أي حل تشريعي تدقيق مالي وجنائي مستقل وشامل لكشف كل الثغرات والتحويلات غير المشروعة منذ 2019 ، ووضع آلية واضحة لاستعادة الأموال من جميع الجهات المستفيدة ، وليس فقط من الأفراد المستهدفين في الدعاوى ، وهذا ليس دفاعا عن الحاكم السابق الشريك الاساسي في كل هذا الفساد، لكنه حاجة لأحقاق الحق، وبدون ذلك فإن “الحرب القانونية” لن تكون سوى فصل آخر من فصول إفلات الكثير من المسؤولين عن الانهيار من العقاب ، على حساب المودعين والاجيال المقبلة .


