طرابلس على حافة الانهيار.. والأولوية للهدم لا للتدعيم

الحوارنيوز – صحافة
نشرت صحيفة “الأخبار” في عددها الصادر اليوم تقريرين عن مدينة طرابلس ،ذكرت فيهما أن طرابلس على طريق الإنهيار وأن الأولوية للهدم والتدعيم.
وكتب فؤاد بزي في هذا المجال يقول:
مشهد الفقر في طرابلس يتجسّد في باب التبانة والقبة وجبل محسن، حيث 52% من السكان تحت خط الفقر. قصص منازل مُهدّدة بالانهيار وحياة يومية تصارع الإهمال.
خطوط غير مرئية تفصل بين قلب طرابلس ومنطقة باب التبانة وجبل محسن. عند عبورها يتحوّل الفقر من حالة فردية إلى واقع جماعي. أكثر من نصف سكان المدينة يعيشون تحت خط الفقر، فحسب البنك الدولي، تبلغ نسبة الفقر في طرابلس 52%، أي إن شخصاً من كل اثنين فقير، وتتركّز هذه الفئة أساساً في باب التبانة وجبل محسن، المنطقة التي شهدت أقسى التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية، بدءاً من النشاط العمراني والتجاري الذي أكسبها لقب «سوق الذهب»، وصولاً إلى التهجير والتغيّر السكاني مع فيضان نهر أبو علي في ستينيات القرن الماضي، وما تبعه من دمار ومعارك مع اندلاع الحرب الأهلية في السبعينيات.
غياب الدولة وأجهزتها كان العامل الأبرز في تكريس مشكلات طرابلس، التي تتجسّد اليوم في أبنية مُهدّدة بالانهيار. فالسلطة السياسية في لبنان لم تعترف تاريخياً سوى ببعض مناطق بيروت وجبل لبنان كأماكن جديرة بالإنماء، بينما تعامل مساحات واسعة من البلاد بشكل استغلالي، مستفيدة من مواردها البشرية والطبيعية من دون تقديم أيّ مقابل.
في باب التبانة، لا تُقاس الأيام بالساعات بل بمحاولة تأمين ثمن لقمة العيش، فالمواطنون يعيشون دوامة السؤال الدائم: «كيف نكمل اليوم؟». المشهد يشرح طبيعة المكان: مبانٍ قديمة متلاصقة، شرفاتها مُدعمة بعوارض حديدية صدئة تجاوزت عمرها الافتراضي، تحمل آثار اشتباكات دامت 18 سنة ولم تُرمّم بعد. في الأزقّة، كل شيء ضيق: الطرق، الهواء، وحتى خيارات السكان. يبدو الفقر وكأنّه الهواء نفسه الذي يتنقّل بين الأزقّة. لكن خلف هذه الصورة العامة، توجد وجوه وقصص صغيرة تصنع يوميات حيّ بأكمله.
كلّ شيء ضيّق: الطرق، الهواء،
وحتى خيارات السكان. يبدو الفقر وكأنّه الهواء نفسه الذي يتنقّل بين الأزقّة
عمر الأبنية هنا يسبق الحرب والانهيار. شرفات متداعية، وجدران تحتفظ بثقوب الرصاص كأنها شواهد على زمن لم يغادر فعلياً. بعد انهيار مبنييْن في باب التبانة في شباط 2026، عاد السؤال عن مصير الأبنية المهترئة إلى الواجهة، لكنّ السكان يعرفون الحقيقة منذ زمن: «البيت واقف… بس عالبركة»، تقول أمّ علي، وهي أمّ لخمسة أطفال يعيشون في الطابق الرابع من مبنى رطب لا تصل إليه الشمس. تضيف وهي تنقل دلواً لالتقاط مياه التسرّب من السقف: «هيدا بيت أهلي. ما عنا مطرح غيرو». المبنى نفسه مُسنّد بقضبان حديدية، وأي إصلاح يحتاج إلى مال غير متوافر.
في سوق باب التبانة، يجرّ أبو فراس عربة خُضر صغيرة. «برجع على البيت مبسوط إذا طلعت بـ10 دولارات آخر النهار»، يقول الرجل الخمسيني، المتقاعد من الجيش. يرى في عربة الخُضر ملجأ يقيه العوز، فقيمة معاشه الشهري بعد 18 سنة خدمة، لا تتجاوز 200 دولار. على بعد خطوات، تجلس سارة، التي تمثّل جيلاً كاملاً توقّف مستقبله عند أبواب الأزقّة، أمام محل «بالة» لبيع الأحذية. ابنة السادسة عشرة تعمل منذ عامين «لتساعد البيت». تروي بابتسامة باهتة: «آخر مرة اشتريت شي لنفسي كانت من سنة. إذا لقيت شغل تاني بعمل… بس وين؟».
في القبة، ينخفض الطريق بين الأبنية كأنه وادٍ، وتصبح الرائحة الثقيلة وشبكات الصرف المكشوفة جزءاً من المشهد اليومي. أبو محمود، سائق سيارة قديمة لا تتجاوز قيمتها 500 دولار، يشتكي: «الطرقات بتاكل السيارة أكل». ومع ذلك يرفض مغادرة الحي: «هون ربيت. وهون بيعرفوني». ويضيف: «وين بروح إذا بدّلنا الحي؟ عالحي اللي بدو 500 دولار إيجار؟». أكثر ما يحزنه أنّ أبناءه الثلاثة تركوا المدرسة، قائلاً: «شو بدي أعمل؟ الدفاتر أغلى من أجر النهار».
في جبل محسن، حيث يدفع السكان ثمن انتمائهم الطائفي في السياسة والإنماء، تتداخل البيوت بعضُها فوق بعض وصولاً إلى التلة. أمّ إبراهيم، امرأة في أواخر الأربعينيات فقدت زوجها قبل عشر سنوات، تعمل في تنظيف البيوت ثلاثة أيام أسبوعياً، وتقضي الطريق نزولاً سيراً على الأقدام لأن سيارة الأجرة باتت رفاهية لا تقدر عليها. تشير إلى الدرج الذي يربط الجبل بباب التبانة: «أقوى شي بهالحي الإرادة. إذا ما اشتغلنا، منموت». ابنها الأكبر، إبراهيم، يحلم بأن يصبح «كهربجي طاقة شمسية»، لكنه يفتقد ثمن المعدّات، ويضحك بمرارة: «بدّي شغل مش حلم».
رغم هذه الصعوبات، تظهر خطوط خفيفة من الأمل. بمبادرة شبابية في التبانة وجبل محسن، رُكّبت إنارة تعمل بالطاقة الشمسية في الشوارع الضيقة، يقول شاب مشارك في المشروع: «الدولة مش شايفتنا، بس نحنا شايفين بعض».
إخلاءات ودفع بدلات إيجار: الأولوية للهدم لا للتدعيم

وتحت هذا العنوان كتبت زينب حمود تقول:
تحركت الحكومة أخيراً وأعلنت عن خطة لإخلاء 114 مبنى في طرابلس في أثناء شهر كحد أقصى، ووضع الاعتمادات اللازمة لتأمين بدلات إيواء للعائلات النازحة على مدار سنة، يحصلون عليها فصلياً (كل 3 أشهر).
في المدة الأخيرة، أخلت بلدية طرابلس «ع السكت» 12 مبنى من دون أي دعم حكومي أو تغطية إعلامية، بحسب ما يؤكد رئيس البلدية عبد الحميد كريمة. وقبل نحو شهر ونصف شهر، انهار مبنى سكني في منطقة ضهر المغر، غير أن عدم وقوع ضحايا سمح للحكومة بتجاهل «إنذار الخطر» الذي كانت أزمة المباني المتصدعة في طرابلس تطلقه بوضوح.
ولم تتحرك الحكومة سوى «كلامياً» بعد سقوط مبنى ثانٍ في القبة وسقوط خمس ضحايا، فأطلق رئيس الحكومة نواف سلام سلسلة وعود بقيت من دون ترجمة عملية، سواء عبر انعقاد «خلية الأزمة» أو عبر تخصيص الاعتمادات اللازمة لتنفيذ ما سُمّي «الخطة».
بدا وكأن السلطة تنتظر كارثة أكبر لتتحرك، وهو ما حصل فعلاً. فبعد انهيار مبنى مأهول في باب التبانة، الأحد الماضي، وما أسفر عنه من وفاة 14 شخصاً، تحركت الحكومة أخيراً، معلنة خطة لإخلاء 114 مبنى مهدداً في طرابلس خلال مهلة أقصاها شهر واحد، مع رصد الاعتمادات اللازمة لتأمين بدلات إيواء للعائلات النازحة لمدة سنة كاملة، تُصرف على دفعات فصلية كل ثلاثة أشهر.
وباشرت بلدية طرابلس عملياً إخلاء المباني المهدَّدة بالسقوط، ونقلت العائلات المتضرّرة إلى المعهد الفني الفندقي في الميناء، الذي خُصّص كمأوى مؤقّت. ووفق رئيس البلدية، فإن العائلات «ستمكث في المبنى بين 24 و48 ساعة، ريثما تتمكّن من صرف الشيكات المصرفية المخصّصة لبدلات الإيجار»، مشيراً إلى «حاجة ملحّة لتأمين مآوٍ مؤقّتة إضافية»، ولافتاً إلى أنّ عدداً من المبادرات الفردية، من أصحاب فنادق وشقق سكنية، طُرح لتلبية هذه الحاجة، «ونجري حالياً مفاضلة بينها لاختيار الأنسب».
ورغم أن الخطة الحكومية حصرت عدد المباني المهدَّدة بالانهيار بـ114 مبنى، إلا أن هذا الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي لأزمة المباني المهددة في عاصمة الشمال، بقدر ما يمثّل العدد الذي «يهضمه» المسؤولون ويتناسب مع خزينة الدولة. وفي هذا السياق، يقول الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة، بسام النابلسي، إنه عند تسلّمه ملف الأبنية المهدَّدة في طرابلس قبل عشرة أشهر، «كان الحديث يدور عن نحو ألف مبنى آيل للسقوط».
ويضيف: «هذا رقم ضخم ويعني كلفة هائلة قد تعيق الحل، كما أنه لا يمكن معالجة الملف دفعة واحدة قبل تأمين بدائل سكنية، إذ لا تتوافر في طرابلس شقق شاغرة تكفي لاستيعاب هذا العدد». لذلك، «جرى اعتماد مبدأ الأولويات وفق درجة الخطورة، فبدأنا بلائحة تضم 105 مبانٍ، ثم ارتفع العدد إلى 114 بعد الكشف على أبنية إضافية بناءً على اتصالات من الأهالي».
من جهته، أبلغ نقيب المهندسين في الشمال شوقي فتفت المعنيين أن رقم 114 مبنى مهدّد «قابل للارتفاع كما للتراجع». وإذا كان ارتفاع العدد مفهوماً في ظل عدم شمول المسح جميع الأبنية، فإن احتمال انخفاضه يثير تساؤلات جدّية. وفي هذا السياق، يشكّك فتفت في دقّة المعطيات التي بحوزة البلدية، لافتاً إلى أنها «جُمعت على أيدي موظفين غير متخصّصين وقّعوا تقارير الإخلاء خشية تحمّل وزر سقوط أي مبنى».
المسح الشامل للأبنية المهددة بالسقوط لا يزال «حلماً» وعدد 114 مشكوك فيه!
وبناءً عليه، تعمل نقابة المهندسين حالياً على مسارين متوازيين: فريق يتولى الكشف على المباني الـ114 ويعدّ تقارير أولية لتحديد ما إذا كانت تحتاج إلى كشف تقني دقيق أو إلى إخلاء فوري، وفريق ثانٍ يتابع نحو 700 شكوى جديدة وردت إلى البلدية بشأن أبنية يُخشى انهيارها. غير أن النقابة لا تستطيع إنجاز مسح شامل بمفردها، في ظل النقص الحاد في عدد المهندسين المتطوّعين، «إذ لا يتجاوز عددهم 12 مهندساً بدوام كامل، ويرتفع إلى 18 بدوام جزئي». لذلك، تسعى إلى توسيع الفريق عبر الاستعانة بنقابة المهندسين في بيروت، وتأمين دعم مالي يتيح تفرّغ عدد أكبر من المهندسين للمشاركة في هذه المهمة.
من يستمع إلى البيان الحكومي الصادر يوم الإثنين الماضي، قد يظن أن الهيئة العليا للإغاثة كُلّفت رسمياً بإجراء مسح شامل بالتعاون مع نقابة المهندسين. غير أن كريمة يصحّح هذا الانطباع، مؤكداً أن «الهيئة لم تُكلَّف رسمياً، ولا البلدية ولا النقابة قادرتان، كلٌّ على حدة، على تنفيذ مسح شامل». وبرأيه، «المسألة تحتاج إلى شركة متخصّصة، ويمكن للهيئة العليا للإغاثة أن تكلف شركة خطيب وعلمي للاستشارات الهندسية بهذه المهمة»، وهو اقتراح يقول إنه طرحه على الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام في أثناء اجتماعه بهما.
وبعد إنجاز الكشف الأولي، يقع على عاتق الهيئة العليا للإغاثة أيضاً تحديد مصير الأبنية، بين التدعيم أو الهدم. ووفق النابلسي، فإن «الأولوية هي للإزالة، حفاظاً على السلامة العامة ومنع خطر سقوط المباني على المارّة، باستثناء الأبنية الأثرية التي سيجري التنسيق بشأنها مع وزارة الثقافة».
ويضيف أن «طرابلس، بوصفها أقدم مدينة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، تضم أبنية يتجاوز عمر بعضها 260 عاماً، ومع تجاوزها العمر الافتراضي الأقصى، يصبح التدعيم أشبه بمخدّر يؤجّل المشكلة لسنوات قليلة». ووفق تقديرات المهندسين، فإن «ارتفاع نسب التصدّع والتشقّق وأكسدة الحديد في عدد كبير من الأبنية يجعل كلفة تدعيم كل منها أعلى من كلفة تشييد عشرة مبانٍ جديدة».
ويبقى البحث في مصير الأبنية، كما في التعقيدات القانونية المرتقبة بين المالكين والمستأجرين القدامى بعد الهدم، مؤجلاً إلى حين الانتهاء من مهمة إغاثة العائلات وإقفال ملف الإيواء، إذا صدقت الحكومة هذه المرة في وعودها.



