رأي

صدمة الخطاب الرسمي.. والانفصال عن الواقع (أكرم بزي)

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز 

 

يعكس هذا المشهد مفارقة صادمة تثير الكثير من التساؤلات حول فقه الأولويات في إدارة الأزمات الكبرى. فبينما يواجه الوطن تحديات وجودية تتمثل في نزوح مليون مواطن وتصاعد وتيرة العنف، يبرز التركيز الرسمي على تفاصيل تقنية وإجرائية تبدو غارقة في الصغر أمام حجم المأساة العامة. وهذا النوع من الخطاب قد يفسر من قبل الكثيرين على أنه انفصال عن الواقع المعاش أو عجز عن اجتراح حلول ترتقي لمستوى الحدث، ما يفاقم من شعور المواطن بالخيبة والضياع وهو يرى قيادته تنشغل بإذن لتصليح قسطل ماء في وقت تنهار فيه مدن وقرى بأكملها.

إن خروج رئيس الجمهورية بعد طول غياب إعلامي ليتحدث عن تنسيق دولي يخص عطلا تقنيا في منطقة محدودة، وسط أمواج من الدماء والتهجير القسري، يضع هيبة المؤسسات الرسمية على المحك ويجعلها في موقف العاجز عن ملامسة وجع الناس الحقيقي. فالمواطن الذي فقد بيته وأصبح مشتتا على مساحة الوطن لا ينتظر من قيادته تقارير عن اتصالات لترميم بنية تحتية بسيطة، بل يبحث عن رؤية إنقاذية وموقف وطني حازم يضع حدا للإبادة الممنهجة، وتكريس هذا الخطاب كفعل سياسي في ظل هذه الظروف الراهنة لا يفسر إلا كهروب من المسؤولية الكبرى وتغاض عن حجم الكارثة التي تفتك بالشعب اللبناني.

ويتجلى في هذا الموقف تكريس واضح للاصطفاف الطائفي والمناطقي على حساب الدور الجامع الذي يفترض أن يضطلع به رئيس البلاد. فتركيز التصريح على خدمة منطقة معينة أو طائفة محددة في وقت تحترق فيه البلاد من أقصاها إلى أقصاها يضرب في صميم العقد الوطني ويهز صورة الرئيس كأب لكل اللبنانيين، وهذا التمييز في إظهار الاهتمام لا يساهم إلا في تعميق الانقسامات المجتمعية وزيادة الشعور بالغبن لدى الفئات التي ترزح تحت نير العدوان والنزوح، ما يجعل الخطاب الرسمي يبدو كأنه يتنصل من واجباته تجاه القضايا الوطنية الكبرى لصالح حسابات ضيقة لا ترتقي لمستوى التضحيات.

إن هذا التوجه يضع الرئاسة في صلب التجاذبات الإقليمية والدولية، حيث يظهر جليا الانحياز لخلفيات سياسية تتماهى مع أجندات خارجية لا تراعي خصوصية الصمود الشعبي، والارتباط بمنظومات ومحاور يراها الكثيرون معادية لتطلعات الشعوب المقاومة يجعل من مؤسسة الرئاسة طرفا في الصراع بدلا من كونها مظلة للحماية، والمفارقة تكمن في تقديم التسهيلات التقنية والخدمية تحت سقف الشروط الدولية في وقت يرفض فيه الشعب المقاوم كافة أشكال الذل والارتهان، مؤكدا أن كرامة الوطن لا تقايض بالخدمات الأساسية ولا ترهن لإملاءات الخارج مهما اشتدت وطأة الأزمات.

والأنكى من ذلك حين يلاقيه البطريرك في موقفه هذا ويحول الإدانة باتجاه فئة لبنانية محددة، متجاهلا في الوقت نفسه الاعتداءات الصهيونية الصارخة على لبنان، ما يعكس بوضوح وجود فئة لا ترى في الوطن إلا نفسها ولا تسعى إلا لتحقيق مصالحها الضيقة على حساب المكونات الأخرى، وهذا يضعنا أمام الحقيقة المرة لمشكلة التعايش الكاذب في البلاد. فالمجاملات التقليدية لم تعد مقبولة بل أصبحت ممجوجة، ولقد حان الوقت لكي نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية دون مواربة.

ولا بد من إعادة صياغة متأنية لأسس النظام في هذا البلد، بما يضمن تقديم الأولوية للمواطنين الوطنيين المخلصين على حساب أصحاب المشاريع الانعزالية والفئوية، الذين أثبتت التجارب المريرة على مدار عشرات السنين أنهم لا يرغبون في بناء وطن جامع، بل يفضلون العيش دائما ضمن بوتقة طائفية مقيتة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى