رأي

سيادة مفقودة.. أم جيش مقيد؟ (أكرم بزي)

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

هل يعقل فعلا أن يطلب من الجيش اللبناني الانسحاب من مواقع انتشاره جنوب نهر الليطاني لمجرد أن هذا التواجد لا يروق للاحتلال؟.. وهل بات تطبيق القرار الدولي رقم 1701 خاضعا للانتقائية بحيث ينفذ حين يخدم مصالح إسرائيل ويعطل حين يكرس سيادة الدولة اللبنانية على أرضها؟

 إن هذا التساؤل ليس مجرد استفهام سياسي بل هو صرخة في وجه واقع دولي ومحلي يحاول إعادة صياغة المفاهيم الوطنية وفق مقاسات أمنية تفرضها تل أبيب بعيدا عن أبسط قواعد القانون الدولي والسيادة الشعبية على التراب الوطني.

إن الجيش اللبناني لم يتجاوز حدودا دولية ولم يدخل منطقة متنازع عليها بل هو ينتشر في عمق أرضه وضمن مهمة وطنية واضحة تهدف إلى بسط سلطة الدولة بالتنسيق مع قوات اليونيفيل. وإذا كان هذا التموضع يقابل بنيران تحذيرية فإن الخلل لا يكمن في الإجراء السيادي بل في العقلية التي تتوهم أن لها حق الفيتو على تحركات الجيش داخل وطنه. فالمؤسسة العسكرية اللبنانية بانتشارها هذا لا تمارس عملا عدائيا بل تمارس واجبها البديهي في حماية الحدود وتثبيت حضور الدولة في منطقة لطالما كانت مسرحا للانتهاكات المستمرة التي لم تتوقف يوما.

لقد سلمت المقاومة زمام الأمور إلى الدولة بكافة تفاصيل الأمن والعسكر، وهي خطوة تضع السلطة السياسية والعسكرية أمام مرآة مسؤولياتها التاريخية، وعلى الدولة اليوم أن تقوم بواجباتها كاملة في حماية الأرض والعرض والذود عن حياض الوطن بكل ما أوتيت من قوة وقرار، أو أن تعترف بعجزها وتسلم الأمر للمقاومة أو الشعب ليقوم كل منهما بواجباته التي يفرضها الانتماء الصادق لهذه الأرض. فلا يمكن القبول بحالة الرهان على السراب بينما تنهش الأطماع الإسرائيلية في الجسد اللبناني، ولا يجوز أن يبقى الجيش رهينة لقرار سياسي متردد يخشى لومة لائم في الخارج ويغفل عن أنين الداخل.

والأدهى من ذلك هو وجود من يتماهى صراحة أو ضمنا مع هذا المنطق، وكأن المطلوب من الدولة أن ترفع الغطاء عن مؤسستها العسكرية أو تسهل بالصمت والتبرير استمرار الاعتداءات والخروقات اليومية. وهنا تتحول القضية من اشتباك ميداني على الحدود إلى أزمة عميقة في المفهوم السياسي للسيادة الوطنية، فكيف يمكن لعاقل أن يبرر الضغط على الجيش للتواري في وقت تستبيح فيه الطائرات والمدافع الإسرائيلية القرى والبلدات اللبنانية دون رادع. إن القبول بهذا المنطق يعني بالضرورة القبول بأن تكون السيادة اللبنانية مجرد وجهة نظر قابلة للتفاوض أو التعديل تبعا للرغبة الإسرائيلية والأميركية.

إن المشهد يبدو في غاية الغرابة حيث يتحدث العدو بثقة من يفرض الشروط في أرض غيره، بينما لا يرتقي الرد الرسمي إلى مستوى التحدي المفروض. فالوقاحة الإسرائيلية واضحة للعيان، لكن الخطر الحقيقي يكمن في تحولها إلى أمر واقع بفعل التردد أو العجز. والمواقف المترنحة التي تكتفي بالشكوى الدولية دون اتخاذ إجراءات سيادية صلبة على الأرض هي التي تفتح الشهية لمزيد من الصلف، وفي نهاية المطاف تقع المسؤولية على عاتق من يكتفي بإدارة الأزمة بدلا من مواجهتها بموقف سيادي حاسم لا يقبل اللبس، لأن التاريخ لن يرحم من يفرط في كرامة مؤسسته العسكرية تحت وطأة التهديد أو الرغبة في مهادنة القوى الكبرى.

لا يمكن عزل ما يحدث في الجنوب عن السياق العام لمحاولة تقزيم دور الدولة وحصره في مهام لوجستية تخدم ترتيبات أمنية خارجية. فالقرار 1701 الذي لطالما تم التشدد في المطالبة بتنفيذه يواجه اليوم اختبارا حقيقيا، فإما أن يكون مظلة لحماية لبنان وجيشه وشعبه وإما أن يتحول إلى سيف مصلت على رقبة السيادة لخدمة أمن المستوطنات، والرهان اليوم هو على قدرة القرار الوطني اللبناني على الصمود أمام الضغوط التي تهدف إلى تحويل الجيش من حام للديار إلى مجرد شاهد على انتهاكها، وهذا يتطلب التفافا شعبيا وسياسيا غير مسبوق حول حق القوات المسلحة في التموضع حيث تقتضي المصلحة الوطنية العليا بعيدا عن أي إملاءات.

يبقى السؤال المعلق برسم المعنيين في الداخل والخارج، هل نحن أمام دولة تسعى لاستعادة كامل حضورها أم أمام إدارة مؤقتة تنتظر ما ستؤول إليه التوازنات الإقليمية لتقرر مكانة جيشها؟

 إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكون بالتصريحات الإنشائية بل بالثبات في المواقع والتأكيد على أن أرض الجنوب هي أرض لبنانية خالصة، ولا يحق لأي قوة في العالم أن تملي على لبنان كيف ومتى وأين ينشر جيشه الوطني. فالسيادة كل لا يتجزأ والكرامة الوطنية لا تخضع لمقايضات الميدان أو كواليس السياسة الدولية، وعلى الدولة أن تدرك أن الوقت ليس في صالحها وأن الشعب الذي قدم التضحيات لن يقبل بغير النصر والسيادة الكاملة بديلا.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى