زيارة لافتة لوزير الخارجية العُماني الى بيروت: لمحة تاريخية

كتب حسن علوش – الحوارنيوز خاص
تكتسب زيارة وزير خارجية سلطنة عمان بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي الى بيروت اليوم أهمية ستثنائية نظرا لمجموعة الاستحقاقات الإقليمية والتي تستدعي تكثيف الاتصالات بين مجموع الدول العربية، لتنسيق المواقف وتوحيدها بما يخدم القضايا العربية المشتركة.
وتشكل الزيارة في توقيتها عشية إنعقاد القمة العربية في القاهرة الاسبوع المقبل، محطة هامة ،لاسيما في ظل تنامي الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان وسورية وغزة والضفة الغربية في فلسطين المحتلة، مع مجاهرة العدو بأطماعه في لبنان وسورية ومصر والأردن ودول أخرى منها دول خليجية…
بالإضافة الى القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك فإن الزيارة ستعزز العلاقات الثنائية بين البلدين والتي لم تتأثر بالتطورات والمناخات السلبية التي عصفت بعلاقات لبنان وبعض الدول الخليجية.
وسلطنة عمان التي فتحب ابوابها للبنانيين دون فيزا، تستمر بإحتصان آلآف اللبنانيين العاملين في مختلف القطاعات الاقتصادية، كموظفين أو كمستثمرين في ظل التسهيلات والحوافز الهامة في مجال الاستثمار، حيث تعتبر سلطنة عمان بوابة الشرق الى بلدان آسيا وأفريقيا ، حيث يتمتع المغتربون اللبنانيون بإمكانات هائلة، ويلعبون دورا هاما في اقتصادات الدول الافريقية، ويمنكهم أن يشكلوا جسرا حيويا لتعزيز العلاقات العمانية – الافريقية.
ولا شك ان زيارة الوزير البوسعيدي مؤشر على إهتمام السلطان هيثم بن طارق بلبنان وما يعانيه من تحديات داخلية، لاسيما في الملف الاقتصادي واعادة اعمار ما هدمه العدوان الاسرايلي، وهو سيكون موضع متابعة بين البلدين، حسب ما علمت “الحوارنيوز”.
جولة البوسعيدي
فقد استقبل الرئيس العماد جوزاف عون ظهر اليوم في قصر بعبدا في حضور وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، وزير خارجية سلطنة عمان بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي على رأس وفد، ضم سفير السلطنة الدكتور احمد بن محمد السعيدي، رئيس الدائرة العربية في الوزارة الشيخ فيصل بن عمر المرهون، والمستشارين علي بن سعود الراسبي وموسى بن سعيد الصلتي وسماح بنت سعيد العزرية.
في مستهل اللقاء نقل الوزير العماني الى الرئيس عون، تحيات السلطان هيثم بن طارق وتمنياته له بالتوفيق لمناسبة انتخابه رئيسا للجمهورية، مؤكدا “العلاقات المتينة التي تجمع بين لبنان وسلطنة عمان”، لافتا الى ان السلطان “يضع لبنان في سلم الأولويات، وهذه الزيارة لتأكيد هذا الامر وللتشديد على وقوف الشعب العماني الى جانب الشعب اللبناني الشقيق”.
واعرب عن تفاؤله بان مستقبل لبنان بعد انتخاب الرئيس عون “سيكون افضل من السابق”، لافتا الى رغبة بلاده في “تفعيل اعمال اللجنة المشتركة بين البلدين وتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم وتبادل الوفود، لا سيما منها الوفود الاقتصادية والثقافية”.
ونقل الوزير العماني دعوة للرئيس عون لزيارة سلطنة عمان والبحث في سبل تطوير العلاقات الثنائية وتفعيلها لما فيه مصلحة البلدين الشقيقين.
الرئيس عون
ورحب الرئيس عون بالوزير البوسعيدي، شاكرا له زيارته وحمله تحياته الى سلطان عمان وتمنياته له بـ”التوفيق الدائم في قيادة مسيرة السلطنة نحو التقدم والازدهار”، واعرب عن “امتنان لبنان رئيسا وشعبا لوقوف عمان الى جانب لبنان في كل الظروف، لا سيما لجهة تقديمها المساعدات والأدوية واللوازم الطبية وتنظيم الدورات التدريبة وإعطاء منح جامعية”، متمنيا ان “يعود الطيران العماني الى لبنان في اسرع وقت ممكن”.
وشكر الرئيس عون الدعوة التي وجهها السلطان هيثم بن طارق، واعدا بتلبيتها في وقت قريب، معتبرا زيارة وزير الخارجية “مناسبة لتأكيد عمق العلاقات اللبنانية – العمانية”.
وتطرق رئيس الجمهورية الى “التطورات في الجنوب وسوريا وفلسطين”، معتبرا ان “التحديات كبيرة ومتلازمة وتحتاج لموقف عربي موحد لمواجهتها”، آملا ان “يصدر عن القمة العربية غير العادية الأسبوع المقبل في القاهرة”، واعتبر ان “توافر الإرادة الموحدة كفيل بجعل الموقف العربي صلبا وقادرا على التأثير في مجرى الاحداث المترابطة”.
تصريح الوزير البوسعيدي
وبعد اللقاء، قال الوزير البوسعيدي في تصريح الى الإعلاميين: “زرت لبنان الشقيق في هذا اليوم المبارك، وتشرفت بنقل خالص تحيات حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق الى فخامة الرئيس الأخ العزيز في هذا القصر الرئاسي، وأكدت وقوف سلطنة عمان الى جانب لبنان في هذه المرحلة الهامة من تاريخه ومستقبله المشرق، متمنيا التقدم والإزدهار له ولشعبه الشقيق.”
وردا على سؤال، قال: “نتطلع عاليا الى تفعيل علاقات التعاون والشراكة العمانية-اللبنانية في إطار اللجنة المشتركة القائمة بين البلدين. وقد إتفقنا مع زميلنا الأخ يوسف وزير الخارجية على تفعيل هذا العمل في المرحلة المقبلة. وسوف نشهد مزيدا من الحراك على كل المستويات الدبلوماسية والإقتصادية والثقافية وغيرها من مجالات التعاون”.
في عين التينة
كما استقبل رئيس المجلس النيابي نبيه بري في مكتبه بمجلس النواب في ساحة النجمة، الوزير بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي والوفد المرافق، بحضور السفير العماني في لبنان أحمد بن محمد السعيدي والمستشار الإعلامي للرئيس بري علي حمدان، وتناول اللقاء الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والتداعيات الناجمة جراء العدوان الاسرائيلي على مختلف المستويات، إضافة الى العلاقات الثنائية بين لبنان وسلطنة عمان وسبل تعزيزها في شتى المجالات لا سيما في المجال التشريعي .
وبعد اللقاء قال البوسعيدي :”أنا سعيد بأن أكون هنا اليوم للقاء دولة الرئيس نبيه بري، فاللقاء كان مثمرا للغاية وينم عن عمق العلاقة اللبنانية العمانية ومتانتها وصلابتها ويعبر عن تطلعاتنا المشتركة نحو المزيد من التلاقي والتلاحم والتعاون بين الشعبين والبلدين الى آفاق أكبر من في المرحلة المقبلة”.
اضاف: “الحقيقة كان استقبال دولة الرئيس استقبالا حارا، واللقاء إيجابي، وهو يعبر عن اعتزازنا بهذه العلاقة وعمق الصلات القائمة بين البلدين عبر الازمنة والعصور”.
علاقة متبادلة
يتمتع البلدان بعلاقة متبادلة منذ عقود من الزمن، حيث افتتحت سلطنة عُمان أول سفارة لها في لبنان عام 1972، وعينت مسقط يوسف بن علوي بن عبد الله أول سفير لها في بيروت، ثم أعيد افتتاحها عام 1998، بعد سنوات إغلاقها نتيجة الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان، وكان السفير الراحل أديب علم الدين قد افتتح السفارة اللبنانية في سلطنة عمان في حزيران العام 1994.
وفي سلطنة عُمان جالية لبنانية نشيطة، يتجاوز عددها حاليا العشرة آلآف لبناني وهو الى ارتفاع حيث كان في العام 2015 نحو 3437 خلال عام 2015، مقارنة مع عام 2014، حيث كانوا 3317 لبنانياً.
ويعمل معظم اللبنانيين المقيمين بمدن السلطنة في القطاع الخاص، وخصوصاً قطاعات المقاولات والنفط والغاز والفندقة والمطاعم والاتصالات والمعلوماتية.
وحول وجود العمانيين في لبنان تشير تقارير سابقة إلى أن معظم وجودهم في الاستثمارات العقارية، حيث يمتلك العُمانيون أراضي ومنازل وشققاً يستخدمونها في مواسم السياحة في لبنان.
حجم التجارة
وتتمتع غرفة بيروت وجبل لبنان مع غرفة تجارة وصناعة عُمان بعلاقات قديمة، وخاصة في السنوات الـ10 الأخيرة، حيث كان هناك تبادل زيارات مكثفة بين وفود الجانبين، كما نظمت السلطنة معرضاً للمنتجات اللبنانية، وكذلك تطلع رجال الأعمال اللبنانيون للاستثمار في عُمان، وسط التطور الذي شهدته في الفترة الأخيرة، ووجود العديد من المناطق الاقتصادية والمدن الصناعية، وأيضاً القوانين والتشريعات الجاذبة للاستثمار.
ورغم قوة العلاقة بين البلدين وقدمها تاريخياً، فإن التبادل التجاري بينهما لا تزال أرقامه متواضعة، وفق ما يراه خبراء ومراقبون.
ويبلغ حجم التبادل التجاري بين عُمان ولبنان نحو 17 مليوناً و21 ألفاً و684 ريالاً عمانياً (نحو 45 مليون دولار أمريكي)، في عام 2020، ويشمل مجالات التعاون بين الجانبين قطاعات البتروكيماويات والصناعات المعدنية والغذائية.
ويرى خبراء أن مستوى التبادل التجاري بين الجانبين لا يرقى إلى مستوى علاقات الصداقة والأخوّة بين البلدين، حيث تستورد عُمان ما يقارب 10.3 ملايين ريال (26 مليون دولار أمريكي) من لبنان، وتشمل سلعاً عديدة؛ مثل الحُلي والمجوهرات، ومنتجات الصناعات الزراعية، والمنتجات النباتية من فواكه وخضار، والأخشاب والورق والمعادن، فيما تبلغ صادراتها 6.7 ملايين ريال (17.42 مليون دولار أمريكي)، وتشمل المنتجات النفطية، وزيوت للسيارات، والحديد والألومنيوم والعسل والموز وغيرها.
وسعت وزارتا الصناعة والتجارة في لبنان الى تطوير هذه العلاقات من خلال زيارات رسمية العام الفائت بالإضافة الى لجان مشتركة بين غرف التجارة والصناعة والزراعة بين البلدين، الا أن كل هذه المحاولات كانت تصطدم بمعوقات بيروقراطية حالت دون تحقيق الأهداف، رغم المتابعة الدؤوبة للسفير العماني في لبنان أحمد بن محمد السعيدي والسفير اللبناني في السلطنة البير سماحة !
ويوجد بين لبنان وسلطنة عمان العديد من الاتفاقات المشتركة، منها اتفاقية لتلافي الازدواج الضريبي الموقعة في نيسان 2001 وغيرها سيصار الى الى تحديثها في اجتماع قريب للجنة المشتركة بين البلدين.