زمن التحولات الكبرى: ما يجري في لبنان أبعد من تبادل الاتهامات(وائل أبو الحسن)

وائل فايز أبو الحسن – الحوارنيوز- المكسيك
لبنان في قلب التحولات الكبرى في المنطقة. ما كان يُقال في الغرف المغلقة يُقال اليوم علنًا
إن اختزال ما يجري في لبنان بالقول إن رئيسًا وحكومته مُنحوا فرصة استثنائية، أو دعمًا دوليًا واسعًا، ولم ينجحوا في تحقيق المطلوب، هو قراءة سطحية تتجاهل طبيعة المشهد الإقليمي وتعقيداته. فلبنان، تاريخيًا وجغرافيًا، لم يكن يومًا ساحة معزولة عن صراعات المنطقة، ولا عن مشاريع إعادة رسم توازناتها.
اليوم لم تعد الكثير من التصورات المتعلقة بمستقبل المنطقة تُطرح في الكواليس، أو تُناقش بلغة دبلوماسية مبطنة. على العكس، باتت تُقال بشكل علني وعلى لسان مسؤولين إسرائيليين، ودبلوماسيين أجانب، وبعض قادة الدول الأوروبية، وبالطبع على لسان الرئيس الأميركي نفسه، فضلًا عن شخصيات بارزة من فريقه السياسي والدبلوماسي المقرّب، وفي مقدمتهم سفير الولايات المتحدة في القدس مايك هاكابي، المعروف بمواقفه المتطرفة، إلى جانب السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، وغيرهما من السياسيين الذين يعبّرون صراحة عن مقاربات أيديولوجية حادة تجاه قضايا المنطقة.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه الطروحات لم تعد تُقدَّم فقط كخيارات سياسية أو أمنية، بل يجري أحيانًا ربطها بسرديات دينية أو توراتية تُضفي عليها بعدًا أيديولوجيًا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية. وعندما يُقدَّم الصراع في المنطقة ضمن إطار عقائدي أو ديني، فإن ذلك يعكس وجود تصورات استراتيجية أعمق تتعلق بمستقبل الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، وبطبيعة التوازنات التي يُراد فرضها فيه.
من هنا، فإن أي قراءة جدية لما يجري في لبنان لا يمكن أن تكتفي بتبادل الاتهامات الداخلية، أو تحميل المسؤولية لجهة لبنانية بعينها. فالمسألة أبعد من ذلك بكثير. إن فهم ما يحدث يتطلب النظر إلى الصورة الكاملة، وإلى المشاريع والاستراتيجيات التي بات يُعلن عنها صراحة، وإلى ما قد تحمله من تداعيات على لبنان، وعلى توازنات المنطقة بأسرها.
المسألة ليست مسألة عواطف، أو تنظير على وسائل التواصل الاجتماعي. الموضوع أعمق وأخطر بكثير من فذلكات بعض الساسة، أو تحليلات بعض المعلقين، ومن الانطباعات السريعة التي قد تتشكل تحت تأثير ما يُقال هنا، أو يُنشر هناك، على بعض المنصات أو في بعض الصحف والمحطات التي تدور في فلك هذا الطرف أو ذاك.
إن القراءة الجدية للمشهد يجب أن تنطلق من مجموعة واسعة من الاعتبارات والمعطيات، آخذين في الحسبان حجم التحولات الدولية والإقليمية، وتسارع الأحداث، وتبدل موازين القوى بشكل متلاحق. فنحن نشهد مرحلة يعاد فيها رسم الكثير من الخرائط السياسية، وإعادة تشكيل توازنات المنطقة وديمغرافيتها، كما أشرنا في مقالات سابقة، وتتساقط خلالها أنظمة وشخصيات ورموز كانت، حتى وقت قريب، تبدو ثابتة في معادلات المنطقة.
لذلك، فإن التعامل مع ما يجري بمنطق الانفعال، أو بالقراءات السطحية، لن يقود إلا إلى مزيد من الالتباس وسوء التقدير. فالواقع أن ما نشهده اليوم ليس سوى بداية مسار طويل من التحولات الكبرى التي ستعيد تشكيل توازنات المنطقة، وخرائطها، وديمغرافيتها. وما زلنا في بداية الطريق.
* محام مغترب مقيم في المكسيك



