
بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
يُعد خط أنابيب شرق–غرب في المملكة العربية السعودية (المعروف أيضاً باسم بترولاين) أحد أهم أدوات إدارة المخاطر في سوق الطاقة العالمي، إذ يربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بموانئ التصدير على البحر الأحمر، بما يمنح الرياض قدرة استراتيجية على إعادة توجيه صادراتها بعيداً عن نقاط الاختناق الجيوسياسية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
خلال الفترة الأخيرة، أعلنت السعودية استعادة كامل القدرة التشغيلية للخط عند نحو 7 ملايين برميل يومياً، بعد أضرار سابقة. هذه الاستعادة لا تعني فقط عودة طاقة ضخ، بل تعكس استعادة عنصر حاسم من عناصر المرونة الاستراتيجية في تسويق النفط السعودي.

من الناحية الاقتصادية، يتيح الخط للمملكة تنويع مسارات التصدير، ما يقلل من الاعتماد على الخليج العربي ويمنحها قدرة أكبر على المناورة في ظل أي تصعيد إقليمي. كما أن نقل النفط إلى البحر الأحمر يختصر المسافة نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية مقارنة بالإقلاع من الخليج، ما ينعكس على تقليص زمن الرحلة وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، رغم أن كلفة النقل عبر البحر الأحمر قد تكون أعلى نسبياً في بعض الحالات بسبب الرسوم والتأمين.
أما من حيث توزيع الصادرات، فتُظهر التقديرات الحديثة أن أوروبا تستحوذ على حصة مهمة من النفط السعودي المنقول عبر هذا المسار. مصر تستورد ما يقارب 800 إلى مليون برميل يومياً، تليها اليونان وإسبانيا بنحو 600 إلى 750 ألف برميل يومياً لكل منهما، ثم إيطاليا وفرنسا بهوامش تتراوح بين 450 و650 ألف برميل يومياً. كما تبرز هولندا والمملكة المتحدة كمراكز إعادة توزيع رئيسية، فيما تستورد الولايات المتحدة كميات أقل نسبياً من هذا المسار. وتشكل بقية الأسواق، بما فيها دول آسيوية وأفريقية، نحو ربع إلى ثلث التدفقات.
في المقابل، تبقى التكاليف عاملاً حاسماً في المفاضلة بين المسارات. استخدام البحر الأحمر يترافق مع زيادة في كلفة الشحن تتراوح بين 0.5 و1.5 دولار للبرميل مقارنة بالتصدير عبر الخليج، إضافة إلى ارتفاع أقساط التأمين بنسبة قد تصل إلى 30% في فترات التوتر، فضلاً عن رسوم عبور قناة السويس التي قد تبلغ مئات آلاف الدولارات للناقلة الواحدة.
لفهم جدوى استخدام الأنبوب مقابل المرور عبر مضيق هرمز سنفترض سيناريو تفرض فيه إيران 0.5 دولار على كل برميل نفط يمر عبر المضيق ، ورسم مقطوع على السفن (مثلاً 200–300 ألف دولار للناقلة).
أولاً: الكلفة الإضافية عبر مضيق هرمز ، إذا كانت الناقلة تحمل نحو 2 مليون برميل فرسم النفط : 0.5 × 2,000,000 = 1 مليون دولار يضاف اليها رسم السفينة : ~250 ألف دولار فتكون الكلفة الإضافية الإجمالية ≈ 1.25 مليون دولار لكل رحلة ، أي نحو 0.62 دولار لكل برميل .
ثانياً: كلفة استخدام خط شرق–غرب ، كلفة زيادة الشحن: 0.5 – 1.5 دولار/برميل ، كلفة تأمين إضافي: ~0.2 – 0.5 دولار/برميل (تقديري) فتكون الكلفة الإجمالية الإضافية: 0.7 – 2 دولار/برميل .
واضح من النتيجة المالية البحتة انه في الظروف الطبيعية، يبقى المرور عبر مضيق هرمز أرخص قليلاً. لكن النتيجة الاستراتيجية مختلفة تماماً فالأنبوب يشتري للمملكة تجنب المخاطر السياسية والإغلاق المحتمل واستقرار الإمدادات كما يمنحها قدرة تفاوضية أعلى في السوق لخفض الرسوم .
اما بخصوص إيرادات إيران المحتملة من الرسوم فيمر عبر مضيق هرمز نحو 17–20 مليون برميل يومياً من النفط العالمي. عند فرض 0.5 دولار/برميل فتصبح الإيرادات اليومية: 8.5 – 10 ملايين دولار يوميا” ، وسنوياً: 3.1 – 3.6 مليار دولار.
رسوم السفن (افتراض 15–20 ناقلة يومياً × 250 ألف دولار) يضاف اليها حوالي 100 سفينة غير نفطية : 28.75 – 30 ملايين دولار يومياً ، سنوياً: 10.49 – 10.95 مليار دولار ، فيصبح الإجمالي السنوي التقريبي يتراوح بين 13.59 إلى 14.55 مليار دولار.
في الخلاصة المقارنة لا تُحسم فقط بالأرقام المباشرة. نعم ، مضيق هرمز قد يبقى أقل كلفة في السيناريو الحسابي البسيط ، لكن هذه الأفضلية تنهار فور إدخال عنصر المخاطر بمعنى أي تهديد أمني يرفع التأمين بشكل حاد ، أي تعطيل جزئي قد يوقف الصادرات بالكامل ، وأي تصعيد عسكري قد يحول “الوفر” إلى خسارة استراتيجية ضخمة . لذلك، يُفهم خط شرق–غرب ليس كبديل اقتصادي أرخص، بل كـأداة سيادية لإدارة المخاطر. في عالم تتزايد فيه التوترات، القيمة الحقيقية للأنبوب تكمن في ضمان الاستمرارية، وليس فقط في تقليل الكلفة.



