رأي

حين صارت الكلمة هدفا (غازي قانصو)

 

بقلم د.غازي قانصو – الحوارنيوز

في صباح مثقل بالدخان،
حين تاهت الحدود بين الأرض والسماء،
كان الصوت هو السلاح الوحيد الذي لم يسقط.

لم يكن علي شعيب يحمل بندقية،
ولا كانت فاطمة فتوني ترتدي درعًا من حديد.
كانا يحملان شيئًا أخطر من كل أسلحة العالم إنه الحقيقة.

وقفا على حافة المشهد،
حيث تختلط الأرض بالرماد،
والسماء بصوت الطائرات،
والأحلام بذاكرة ترحل ولا تعود.
قال علي، وهو يصوب الكاميرا كأنها آخر رصاصة:
“هنا… الناس لا تموت فقط.
هنا… الحقيقة تُستهدف.”

نظرت فاطمة إلى العدسة،
وفي عينيها ذلك الضوء الذي لا ينطفئ،
ذاك النور الذي لا تعرفه إلا من وقفت على مشارف الموت ولم تتراجع:
“نحن هنا… لنحكي.
فقط لنحكي.
لأن من لا يحكي… يموت مرتين.”

لم يكونا يجهلان الخطر.
كانا يعرفان أن الكلمة في زمن الحرب
تُعامل كأنها عدو،
تُطارَد كأنها قاتل،
تُقتل كأنها شهيد.
لكنهما اختارا أن يقفا،
أن ينقلا،
أن يشهدا،
أن يكونا حيث لا أحد يجرؤ أن يكون.

في اللحظة التي بدأ فيها البث،
كان العالم يمكنه أن يرى،
أن يسمع،
أن يقترب خطوة من وجع لم يعشه.
لكن هناك من لا يريد للعالم أن يرى.
هناك من يخاف من الضوء،
فيرمي بالحجر على كل نافذة تطل بالحقيقة.

جاء الصوت…
ليس كالرعد،
بل كقرار.
قرار بإسكات الصوت،
قرار بكسر الكاميرا…
وكسر من يحملها.
قرار بأن لا يُروى خبرٌ،
فلا يُدرى بأمر.

في لحظة واحدة،
سقطت الصورة من يد علي،
وسكتت الكلمات في فاطمة.
لكن الحقيقة…
لم تسقط.
لا تسقط الحقيقة حين تسقط الأجساد،
بل تنهض أثقل،
وأنقى،
وأكثر حضورًا.

لقد استُهدِفوا.
قيل إنهم كانوا في المكان الخطأ.
لكن الحقيقة أبسط من كل التبريرات،
وأقسى من كل التسويات:
كانوا في المكان الصحيح…
ينقلون ما لا يُراد له أن يُرى.
كانوا حيث يجب أن يكون الأحرار:
في وجه الطغيان،
بلا حماية،
بلا شيء إلا قلم وكاميرا وقلب لا يعرف الخُنوع،
كما لا يعرف شعبُنا الركوع.

في ذلك اليوم،
لم يمت إعلاميان فقط.
بل كُتب فصل جديد
في تاريخ طويل من الدم الذي حاول أن يُخفي الحقيقة…
فكشفها أكثر.
في تاريخ من القتل الذي ظن أنه يُسكت،
فما زاد الموتى إلا شهادة،
وما زاد الأحياء إلا إصرارًا.

وفي البيوت البعيدة،
جلس من شاهدوا البث الأخير،
صامتين.
لم يكن الصمت خوفًا،
ولا كان نسيانًا.
كان صمتًا من نوع آخر:
صمت الدهشة،
صمت الحزن الذي بلغ الغاية،
صمت الاحترام لمن دفع حياته
ثمنًا لصوت كان يمكن أن يُطفأ…
لكنه لم يُطفأ.

يُقال إن الضباع هاجمتهما،
وإن الخنازير تعبثٌ بالزروع.
لكنهم لا يستطيعون أكل الكلمة،
ولا تمزيق الحقيقة.
فالكلمة إذا قيلت بحق،
صارت نارًا لا تُطفأ،
وصارت نورًا لا يُغطّى،
وصارت في قلوب الأحرار وصية لا تموت،
فالأبرارُ لا يموتون.

رحل علي…
ورحلت فاطمة…
ورحل كثيرون مثلهم،
كثيرون كتبوا أسماءهم بالدم على جدران الزمن.

لكنهم لم يغيبوا.
بقوا في كل صورة التُقطت،
في كل كلمة قيلت،
في كل عين رأت… ولم تعد قادرة على الإنكار.
بقوا في كل مرة يقف فيها إعلامي حر،
في كل مرة تشرق فيها كاميرا على جرح،
في كل مرة يختار فيها أحدهم الحقيقة على السلامة.

علي وفاطمة
جزء أصيل من تاريخنا العاملي،
من ذاكرة لا تشيخ،
من دم يفيض ولا ينضب.

سيبقى حاضرا في كل مجلس،
في كل ذكرى،
في كل دعاء يرفع في محراب التٌحرُّر من كل غادر.
ومهما أراد المجرم العاتي بهذهِ المجازر،
ومهما ظن أن الموت يمحو،
فإن الإعلاميين الصادقون حاضرون،
وإن غابت أجسادهم، فصورهم باقية،
وإن صمتت أصواتهم، فكلماتهم ترن في الآذان جيلاً بعد جيل.

في ٢٨ آذار ٢٠٢٦،
لم يكن الحدث مجرد استشهاد.
كان إعلانًا آخر…
أن الحقيقة،
وإن أطلقت عليها النار،
وإن دفنت تحت الأنقاض،
وإن مُزقت صورها وأحرقت كلماتها،
لا تموت، لا تفنى، لا تسكت.
بل تعيش… أكثر،
وأعلى مِن أيِّ طاغوتٍ تجبّر.

مع تحياتي، وكل العزاء.
غازي منير قانصو
السبت ٢٨ آذار ٢٠٢٦م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى