رأي

حين تُقصف الدولة لفرض التفاوض.. أي لبنان سيبقى؟ (زينب إسماعيل)

 

زينب اسماعيل – الحوارنيوز

 

في لحظةٍ يُفترض أنها مفتوحة على التهدئة، يتقدّم القصف.

وفي وقتٍ تُطرح فيه مسارات تفاوض بين واشنطن وطهران، تُفتح جبهة لبنان على ضرباتٍ تتجاوز منطق “الرد العسكري” إلى ما هو أبعد: إعادة تعريف من هو الهدف… ومن يتحمّل الكلفة.

ما جرى في الساعات الأخيرة ليس تفصيلًا عابرًا.

استهداف مؤسسات رسمية، وسقوط عناصر من الأجهزة الأمنية، وامتداد الضربات إلى بيئات مدنية، كلّها مؤشرات على انتقالٍ واضح:

من استهداف حزب الله… إلى توسيع الاستهداف ليطال بنية الدولة اللبنانية نفسها.

حين يصبح لبنان هو الهدف

لطالما برّرت إسرائيل ضرباتها بوجود تهديد مباشر أو بنى عسكرية تابعة لحزب الله. لكن ما يحدث اليوم يتجاوز هذا الإطار. بنك الأهداف اتّسع ليشمل مؤسسات حكومية، وأجهزة أمنية رسمية، ومناطق مدنية بعيدة عن خطوط الاشتباك.

هذا التوسّع لا يمكن قراءته كـ“خطأ في التقدير”، بل كتحوّل في العقيدة:

تحميل الدولة اللبنانية ككل مسؤولية الواقع القائم.

الرسالة هنا ليست عسكرية فقط، بل سياسية بامتياز:

إمّا أن تعيدوا تشكيل توازنكم الداخلي بأنفسكم… أو سنفرضه نحن بالنار.

الصمت كجزء من المعركة

الأخطر في ما يحدث، ليس فقط طبيعة الضربات، بل الصمت الذي يرافقها.

حين تُقصف مؤسسات رسمية، ويُقتل عناصر من أجهزة الدولة، ولا يرتفع الخطاب السياسي إلى مستوى الحدث، فإن الرسالة لا تصل إلى الخارج فقط… بل تُترجم في الداخل أيضًا:

أن هذه الدولة قابلة للكسر،

وأن كلفة ضربها أقل من كلفة حمايتها.

هنا، لا يعود القصف اعتداءً فقط،

بل اختبارًا مفتوحًا لحدود الرد… وحدود الصمت.

على الحدود… ما يمنع السقوط الكامل

ورغم اتّساع بنك الأهداف، لا تزال الجبهة الجنوبية ترسم مشهدًا مختلفًا.

هناك، حيث الخطوط الأمامية، تستمر المواجهة المباشرة، لا كردّ موضعي، بل كحاجز فعلي يمنع الانزلاق نحو ما هو أخطر: التوغّل داخل الأراضي اللبنانية.

هذه المواجهة، مهما اختلفت قراءاتها السياسية، تفرض معادلة ميدانية واضحة:

أن الاستباحة ليست بلا كلفة،

وأن تغيير قواعد الاشتباك برًّا لا يزال يصطدم بقدرة على الرد والمنع.

في هذا السياق، يتحوّل الجنوب من ساحة قتال… إلى خط توازن دقيق بين نارٍ تُفرض من الجو، ومنعٍ يُرسم على الأرض.

القصف كأداة تفاوض

المفارقة ليست في تزامن الضربات مع الحديث عن وقف إطلاق نار، بل في كون هذا التزامن مقصودًا.

إسرائيل لا تضرب رغم المفاوضات… بل تضرب من أجلها.

رفع مستوى التدمير ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لخلق واقع تفاوضي جديد:

إنهاك داخلي، ضغط شعبي، إضعاف موقع الدولة… ثم فتح باب “الحل”.

بهذا المعنى، تتحوّل الغارات إلى لغة تفاوض بالنار، تُكتب شروطها على الأرض قبل أن تُوقّع على الطاولة.

لبنان كورقة في لعبة أكبر

لا يمكن فصل ما يجري عن المسار الإقليمي الأوسع، خصوصًا التفاهمات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران.

لبنان هنا لا يُعامل كساحة مستقلة، بل كورقة ضغط متقدمة:

لتعديل شروط التفاوض،

أو تعطيل تفاهمات،

أو فرض حضور إسرائيلي في أي تسوية مقبلة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي:

أن يتحول التصعيد في لبنان إلى أداة في مفاوضات لا تخصّه… لكنه يدفع ثمنها بالكامل.

الدولة بين التبرير والعجز

في الداخل، تبدو الدولة اللبنانية في موقع بالغ الهشاشة.

التصريحات التي تحاول تفسير أو تبرير الضربات، بدل مواجهتها سياسيًا، تعكس مأزقًا مزدوجًا:

محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار من جهة، وعجز فعلي عن حماية السيادة من جهة أخرى.

وهنا يتكرّس مشهد أكثر خطورة:

الدولة لا تفشل فقط في منع الضربات… بل تُدفع تدريجيًا لتكون جزءًا من منطقها.

سيناريوهان مفتوحان

السيناريو الأول: تسوية تحت النار

تصعيد قصير ومكثّف، ينتهي بضغط دولي يفرض وقف إطلاق نار، لكن بشروط:

ترتيبات أمنية جديدة، ضغوط لتقييد سلاح حزب الله، وتعزيز شكلي لدور الدولة.

النتيجة: هدوء هش… وتوتر مؤجل.

السيناريو الثاني: انزلاق إلى حرب مفتوحة

اتّساع بنك الأهداف، وارتفاع الكلفة البشرية والمادية، ما يقود إلى تصعيد واسع، تتداخل فيه الجبهات، ويتحوّل لبنان إلى ساحة استنزاف طويلة.

والأخطر: أن تتحوّل الحرب إلى أداة لإعادة تشكيل الداخل اللبناني نفسه.

الخلاصة: ما يُقصف ليس فقط الحجر

المشهد اليوم لا يُقاس بعدد الغارات… بل بنوع الأهداف.

ما يُقصف ليس فقط مباني ومقارّ، بل فكرة الدولة نفسها، وحدود سيادتها، وقدرتها على البقاء.

لبنان لم يعد مجرّد ساحة مواجهة… بل أصبح أداة ضغط.

وما يجري ليس تصعيدًا عابرًا، بل محاولة لفرض واقع جديد:

تُكتب معالمه بالنار…

وتُوقَّع بنوده لاحقًا على طاولة التفاوض.

السؤال لم يعد: هل تتوقف الحرب؟

بل: أيّ لبنان سيبقى بعدها؟

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى