سياسةصحف

“حماس” نحو انتخاب قيادة جديدة: بين خليل الحية وخالد مشعل؟

 

الحوارنيوز- فلسطين – صحافة

 كتبت صحيفة الأخبار في عددها الصادر اليوم:

تتّجه حركة «حماس» إلى حسم رئاسة مكتبها السياسي خلال أيام قليلة، عبر عملية انتخابية داخلية تُنهي مرحلة «المجلس القيادي» الذي ترأّسه رئيس «مجلس الشورى» محمد درويش، منذ اغتيال رئيس المكتب السياسي الشهيد يحيى السنوار في تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي. ويُذكر أن السنوار كان قد اقترح، قبل انتخابه رئيساً، تشكيل «مجلس قيادي» برئاسة درويش، على أن يتولّى خليل الحية منصب نائب الرئيس، وتُسند عضوية المجلس إلى كلّ من خالد مشعل ممثّلاً عن «إقليم الخارج»، وزاهر جبارين عن «إقليم الضفة الغربية»، ونزار عوض الله عن «إقليم غزة».

واستند اقتراح السنوار هذا، إلى رؤية مفادها أن قيادة «حماس» يجب ألا تتأثّر بالضربات الأمنية التي ينفّذها العدو داخل غزة، حتى في حال استهداف رئيس الحركة أو عجزه عن أداء مهامه، وهي رؤية اعتمدتها الحركة عملياً، فاستمرّت في عملها المؤسّسي خلال المرحلة التي أعقبت اغتيال السنوار، مستفيدة من نموذج «المجلس القيادي». وقد اكتمل أخيراً نصاب «مجلس الشورى» المُكلّف بانتخاب القيادة الجديدة، لتنطلق بذلك أجواء تنافسية داخلية، في ظل تبلور مشهد انتخابي يحتدم فيه السباق بين شخصيتين مركزيتين هما: الرئيس السابق للحركة وقائدها في الخارج خالد مشعل، ونائب رئيسها في قطاع غزة خليل الحية، خصوصاً بعدما سقط اقتراح تسوية يقضي بالتوافق على اختيار محمد درويش رئيساً لـ«المكتب السياسي» لولاية كاملة، مقابل توزيع المهام الرئيسية بين بقية الأعضاء، وعلى رأسهم مشعل والحية.

وكانت قيادة «حماس» قد قرّرت، في أعقاب اغتيال رئيس مكتبها السياسي السابق، إسماعيل هنية، ونائبه الشيخ صالح العاروري، خلال عامَي الإبادة، إبقاء دفة القيادة تحت إشراف من يدير المواجهة من غزة، ما أسفر عن اختيار السنوار من دون أيّ منافسة. وعند تشكيل «المجلس القيادي»، كانت الحركة قد فقدت ثمانية من أعضاء مكتبها السياسي في غزة، ورئيسها في لبنان فتح شريف (أبو الأمين)، إلى جانب عدد كبير من قيادات «كتائب القسام»، وفي مقدّمهم القائد العام محمد الضيف ونوّابه ومساعدوه، ولا سيما مروان عيسى ومحمد السنوار، علماً أن تجارب الحركة الطويلة في مواجهة العدو، أظهرت أن هيكلها العسكري يمتلك آلية فعّالة لملء الشواغر فوراً، بينما بدا المشهد أكثر تعقيداً على المستوى السياسي والإداري والتنظيمي والحكومة، خاصة في ظل الاستهدافات الإسرائيلية المركّزة لقيادات هذه المستويات.

كما تجد الحركة نفسها، اليوم، أمام استحقاق انتخابي لكامل «المكتب السياسي»، كون النظام الداخلي (اللوائح) ينصّ على أن الدورة التنظيمية تستمرّ لـ4 سنوات كاملة، لكنّ ظروف الحرب أخّرت عملية الانتخاب إلى نهاية عام 2026، أي سيتمّ انتخاب أعضاء «المكتب السياسي»، بعد انتخاب رئيسه.

 

 

 الحيّة ومشعل: لِمَن الكفّة؟

    يبدو التنافس محتدماً بين شخصيتين رئيسيتين في قيادة حركة «حماس»، هما خليل الحية وخالد مشعل، من دون أن يعني ذلك عدم وجود متنافسين آخرين غيرهما، إلا أن واحداً منهما سيكون، بالضرورة، الرئيس القادم للمكتب السياسي العام للحركة.

الحية: مرشّح غزة بإجماع سياسي وعسكري

في أثناء عامَي الإبادة، تولّى خليل الحية، إدارة قطاع غزة بكامل تفاصيله، بوصفه نائب رئيس الحركة في القطاع، ثم واصل أداء مهامه في قيادة «إقليم غزة» ضمن «المجلس القيادي»، متحمّلاً مسؤولية إدارة أبرز الملفات الحسّاسة، وفي مقدّمها ملف التفاوض مع العدو في أثناء الحرب. وفي هذا الإطار، أوكل الحية إلى عضو «المكتب السياسي» باسم نعيم، مهمّة إدارة ملف «العلاقات العربية والدولية»، ليتفرّغ هو لإدارة التفاوض، في ظلّ ظروف ميدانية وأمنية بالغة التعقيد. وقد نجح الحية، عبر تولّيه ملفات القيادة الحسّاسة في أثناء العدوان، في إعادة ترميم البنية الإدارية لحركة «حماس»، التي استعادت تماسكها، وتمكّنت من إشغال الشواغر القيادية التي خلّفتها سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية التي استهدفت الصف الأول من قيادة الحركة السياسية والعسكرية.

ويحظى الحية اليوم، بإجماع واضح في قطاع غزة، مدعوماً بثقة «المجلس العسكري» الجديد لـ«كتائب القسام»، ما انعكس في قرار سياسي – عسكري داخلي في غزة، بدعم ترشّحه لرئاسة المكتب السياسي للحركة في الدورة الحالية. ويُضاف إلى الدعم الداخلي الذي يلقاه في أوساط «حماس» داخل القطاع، الثقة الكبيرة التي يحظى بها لدى شريحة واسعة من كوادر «الحركة الأسيرة» في سجون الاحتلال، الذين يشكّلون قوة ضغط تنظيمية لها تأثير ملموس في المعادلات القيادية الداخلية. كما يبدو أنّ الحية يلقى تأييداً ملموساً في الضفة الغربية المحتلة، سواء على مستوى الكوادر أو القيادات، وذلك في ظلّ العلاقة المتينة التي تربطه برئيس «إقليم الضفة الغربية» الحالي زاهر جبارين، وهو ما يُعزّز فرصه في الحصول على دعم واسع داخل الجسم التنظيمي للحركة في مختلف مناطق وجودها.

مشعل يعود مرشّحاً لقيادة «حماس»

بعد سنوات من الابتعاد عن الأضواء، عاد رئيس «إقليم الخارج» خالد مشعل إلى الواجهة مجدّداً، في المشهد الداخلي لحركة «حماس» والساحة السياسية بشكل عام. فقد ظلّ مشعل بعيداً عن دائرة القرار منذ انتخاب الشهيد إسماعيل هنية، رئيساً لـ«المكتب السياسي» في دورة عام 2017. ورغم احتفاظه بموقعه كرئيس لـ«إقليم الخارج»، إلا أنه نأى بنفسه عن أي نشاط من شأنه التأثير سلباً على وحدة التنظيم، علماً أنّ الرجل مدعوم بنفوذ كبير في الأوساط الإسلامية القريبة من تيار «الإخوان المسلمين» في العالم العربي والإسلامي، إلى جانب رصيده التاريخي داخل الحركة نفسها. ورغم مدد التوتر التي شابت علاقته بالشهيد يحيى السنوار، حافظ مشعل على دعم شريحة واسعة من كوادر وقيادات الحركة في غزة.

ويُعرف عن مشعل امتلاكه قراءة سياسية وتنظيمية واستراتيجية خاصة، لم تكن في كثير من الأحيان متطابقة مع وجهات نظر أركان القيادة الآخرين. ومع ذلك، حرص على تجنّب السّجال الداخلي، وهو ما أفشل رهانات خصوم «حماس» الذين كانوا يأملون بتفجّر الخلافات داخلها، خصوصاً بعد عملية «طوفان الأقصى»، والتي رُوّج آنذاك أنّ مشعل كان معارضاً لها من أساسها. غير أنّ الأخير سارع إلى إغلاق هذا الملف، عبر سلسلة مقابلات وتصريحات ومشاركات إعلامية، أكّد فيها تبنّي الحركة الكامل لخيار المقاومة المسلحة، ووقوفه خلف قرارات الجهاز العسكري.

يحاول مشعل العودة إلى الواجهة فيما يتمتّع الحيّة بدعم شبه كامل من داخل غزة

ومع ذلك، احتفظ مشعل بملاحظاته التي شملت كل شيء، بما في ذلك العلاقات والتحالفات الإقليمية لـ«حماس». وهو لم يكن في السنوات الأخيرة، على علاقة جيّدة مع «الجهاز الإيراني» الموكَل ملف المقاومة الفلسطينية، كما لم يُظهر حماسة كبيرة لاستعادة العلاقة مع سوريا قبل تغيّر النظام، رغم تبنّيه الموقف الرسمي للحركة بضرورة إعادة العلاقات. وقد حرص في أكثر من مناسبة على التذكير بالدعم الذي قدّمه النظام السوري إلى «حماس» قبل اندلاع الأزمة في عام 2011.

في الوقت الراهن، يبدو أنّ مشعل بات يشعر بحاجة الحركة، والواقع الفلسطيني العام، لاستراتيجية مختلفة عمّا كان سائداً. ورغم تأكيده في خطابه الأخير، قبل أسبوعين، في أثناء مؤتمر «العهد للقدس» في تركيا على الثوابت الأساسية، وفي مقدّمها المقاومة وضرورة الحفاظ على سلاحها، إلا أنّ له رؤية خاصة بشأن إدارة الشأن الفلسطيني، وخصوصاً ملف قطاع غزة، وهي لا تتطابق كلّياً مع وجهات النظر الأخرى، وهو ما يجعل النقاش حول الخيارات المستقبلية داخل «حماس»، قائماً بصورة جدّية، ووسط تعدّد في الآراء.

وكان مشعل قد سلّم بنتائج الدورة القيادية السابقة التي حملت هنية إلى رئاسة المكتب السياسي لولايتين، كما أيّد تسليم قيادة الحركة إلى قطاع غزة بعد استشهاد هنية، ودعم تولّي السنوار المنصب. وبعد اغتيال السنوار، وافق مشعل على صيغة «المجلس القيادي»، رغم أنه أعرب مراراً عن عتبه لكون المجلس لم يُفعّل بكامل صلاحياته، خصوصاً في أثناء مرحلة التفاوض.

لكن مشعل الساعي اليوم إلى تأدية دور مركزي، وجد نفسه مبادراً لعقد لقاءات واسعة مع قيادات «حماس»، وفتح قنوات تواصل مع مختلف الأوساط الداعمة للحركة، من خارجها. كما شارك في جلسات مصارحة ومصالحة داخلية، بهدف «رأب الصدع» قبيل الانتخابات الجديدة، معلناً – إلى اللحظة – ترشّحه الرسمي لمنصب رئيس المكتب السياسي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى