رأي

توريط الدولة في لحظة الكمين (أكرم بزي)

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

يشكل هذا المشهد واحدا من أخطر الكمائن السياسية في لبنان حاليا، حيث يتحول الخطاب الدبلوماسي من أداة حماية للدولة إلى أداة ضغط عليها من الداخل. تصريح الوزير يوسف رجي المحسوب على القوات اللبنانية في حكومة الرئيس نواف سلام، وفي هذا التوقيت بالذات، لا يمكن فصله عن سياق الحشر السياسي المنهجي الذي تتعرض له المؤسسات الأم.

تاريخيا، لجأت قيادة الجيش اللبناني والدوائر الرسمية إلى تبرير عدم الدخول في مواجهة مع حزب الله بشعارين أساسيين، عدم القدرة العسكرية تفاديا لاختلال موازين القوى، وتجنب الفتنة الداخلية. وعندما يعلن وزير الخارجية أن الجيش قادر تماما، فإنه يسحب عمليا ذريعة الضعف التقني من يد القيادة العسكرية، ويضعها أمام خيارين أحلاهما مر أمام المجتمع الدولي وخصوصا واشنطن: إما الانخراط في مواجهة مباشرة بما تحمله من مخاطر انفجار داخلي واسع، أو الظهور بمظهر الممتنع سياسيا عن تنفيذ ما يعتبر واجبا سياديا، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في المساعدات العسكرية الأميركية المقدمة للجيش على قاعدة كونه البديل الوحيد للسلاح غير الشرعي.

في موازاة ذلك، يفرض هذا التصريح ضغطا مباشرا على موقع رئاسة الجمهورية، المفترض أن تمثل بيضة القبان والناطق باسم الحد الأدنى من التوازن الوطني. الخطاب الصدامي الذي يطلقه الوزير يتجاوز الدور التوافقي أو الدفاعي للرئيس، ويدفع الرئاسة إلى معادلة قسرية، إما تبني هذا الخطاب، أو الظهور بمظهر العاجز أو المتواطئ مع حزب الله، بما يفقد رئيس الجمهورية هامش المناورة الضروري في المحافل الدولية لتخفيف الضغوط المتصاعدة عن لبنان.

يتعمق هذا الإرباك مع تزامن التصريح مع إشارات الضوء الأخضر الأميركي والتهديدات الإسرائيلية المتكررة، ما يكرس انطباعا خطيرا بوجود غطاء لبناني رسمي لأي عملية عسكرية محتملة. فمن موقعه الرسمي، يقدم الوزير شهادة سياسية للمجتمع الدولي مفادها أن الدولة اللبنانية، أو جزءا وازنا منها، تطالب بنزع السلاح وترى في الجيش أداة تنفيذية لهذا الخيار، الأمر الذي يسهل على الخارج تبرير أي ضغط عسكري أو سياسي مقبل باعتباره مساعدة للبنان على استعادة سيادته.

يبدو أن من كان يبخ السم في الدوائر الأميركية والفرنسية بطريقة مخفية، بات يبخه علنا هذه المرة، من دون مواربة أو حسابات لغوية، في انتقال واضح من مرحلة الهمس السياسي إلى الجهر بالمواقف، ومن إدارة الضغط عبر القنوات الخلفية إلى فرضه عبر خطاب رسمي صادر عن موقع حكومي، بما يعكس تحولا في أسلوب التعاطي مع الملف اللبناني، ويشي بقرار الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الكسر المباشر.

يظهر التصريح وكأنه موجه بوجهين متوازيين، داخليا يسعى إلى فرض أمر واقع سياسي يحرج الخصوم من جهة، ويقيد حركة الحلفاء الوسطيين وفي طليعتهم رئيس الجمهورية وقيادة الجيش من جهة أخرى. وخارجيا، يشكل رسالة اعتماد للقوى الدولية بأن هناك طرفا داخل السلطة مستعد للذهاب إلى أقصى الحدود في ملف السلاح، ما يضع المؤسستين العسكرية والرئاسية تحت مجهر الاختبار الجدي أمام الإدارة الأميركية.

هذا المسار لا يمكن قراءته إلا بوصفه عملية توريط سياسي مكتملة الأركان، تدفع المؤسسة العسكرية إلى مواجهة مباشرة مع شريحة وطنية واسعة، وتزج برئاسة الجمهورية في موقع الدفاع أمام الخارج. الأخطر أنه يعيد تعريف الأزمة من كونها اعتداء إسرائيليا محتملا إلى مسألة عجز لبناني رسمي عن تنفيذ المطلوب، بما يخدم السردية التي تسعى إلى تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية ما قد يترتب على ذلك لاحقا.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى