
بقلم السفير السابق جواد الهنداوي*- الحوارنيوز
بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة وبناء أسس النظام الدولي، دأبت الولايات المتحدة الأميركية إلى السعي للهيمنة على العالم فكريًا وحضاريًا واقتصاديًا وعسكريًا، بالمنافسة وبسياسة “الأيدي النظيفة” وبالقوة الناعمة وبالحروب. للإشارة والتوضيح فقط وقبل الاسترسال، بأنَّ مصطلح “الأيدي النظيفة” هو لرئيس وزراء في بريطانيا إدوارد هيث Edward Heath، تحدّث عنه عام 1960، حيث قال: “ينبغي على بريطانيا أن تتحسب، لأنها لم تعد قادرة على التورط عسكريًا في الشرق الإسلامي، وعليها أن تلعب لعبة ‘الأيدي النظيفة’، التي ملخصها خلق إسلامات متصارعة في المنطقة”. وكان هذا المفهوم “الأيدي النظيفة”، وحسبما أعتقد، هو النواة لسياسة القوة الناعمة واستخداماتها، وخاصة بعد ثورات الشعوب وتحررها من الاستعمار والاحتلال، لأن كلاهما، وأقصد “الأيدي النظيفة والقوة الناعمة”، يعتمدان في التسويق والتضليل على جاذبية القيم والمبادئ والأخلاق، من أجل الوصول إلى الأهداف المنشودة. والجميع، سياسي وغير سياسي، يعرف بأن بريطانيا العظمى كانت (ولا تزال نسبيًا) مخزن الأفكار والخطط لمطبخ القرارات السياسية الأميركية، وخاصة تجاه منطقة الشرق الأوسط، بحكم درايتها الاستعمارية للمنطقة.
الولايات المتحدة الأميركية عملت على هندسة شبكة مقومات لترسيخ وديمومة هيمنتها، وحذرها وهواجسها من بزوغ قوة تخرج من رحم قارة آسيا أو قارة أوروبا تسرق منها الهيمنة. لماذا قارة آسيا وقارة أوروبا؟ لأنهما قارتان كانتا ولا تزالان رحم الحضارات والثقافات والديانات والإمبراطوريات والقوة. وعلى ضوء وهُدى هذه الهندسة، رُسِمت الاستراتيجيات والسياسات ووُضعت الخطط ووُظُفت القدرات والإمكانات للتنفيذ.
نتساءل: ياترى ما هي هذه المقومات التي استخدمتها الولايات المتحدة الأميركية لترسيخ وديمومة هيمنتها؟ هي مقومات داخلية، وأخرى خارجية؛ داخلية، أي من داخل الولايات المتحدة الأميركية وتحت سيطرتها التامة، وهي القوة العسكرية أو بالأحرى “فائض القوة العسكرية”، والدولار، والتكنولوجيا بمعناها الواسع الذي يضم الإعلام، أما الخارجية، فأقصد النفوذ ودول ومحطات الدعم والارتكاز، وهي دول ومحطات دعم تنفيذ الاستراتيجيات والسياسات المرسومة، ومن بينها وأهمها إسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في كل مناطق العالم. هذه هي المقومات الداخلية والخارجية، والتي توظفها الولايات المتحدة الأميركية من أجل استمرار هيمنتها على العالم، وحين تشعر أمريكا بضعف أو بخطر يهدد زوال إحدى هذه المقومات، تُصاب بحالة فزع (إن لم نقل توحّش) وتصبح كل الوسائل المتاحة، المشروعة وغير المشروعة، قابلة للتوظيف والاستخدام، دون اعتبار للمحددات الإنسانية أو القانونية أو السياسية أو الأخلاقية.
وسياسة الولايات المتحدة الأميركية اليوم، وتحت قيادة الرئيس ترامب، خير شاهد وأدق مشهد لما ندّعيه من استنتاج، فهو (وأقصد الرئيس ترامب) أو من خلفه (وأقصد الدولة العميقة) حين شعر بأنَّ خطرًا يهدد إسرائيل (وهي مرتكز وداعم أساسي للهيمنة الأميركية) سمح أو سمحوا لها بأن تفعل ما تشاء من أجل البقاء؛ وحين شعر بأنَّ الصين ستهيمن على الطرق والممرات البحرية والبرية الدولية التجارية والطاقوية، يهدّد الرئيس ترامب للاستيلاء على جزيرة غرينلاند الدنماركية؛ وحين شعرت الإدارات الأميركية السابقة بأنَّ رئيس هذه الدولة أو تلك الدولة الغنية يريد بيع منتوج دولته بعملة أخرى غير الدولار، سارعوا إلى شيطنة رئيس الدولة لتبرير غزو البلد والإطاحة بنظام الحكم؛ وحين شعر الرئيس ترامب بأنَّ الأمن القومي الأميركي يتطلب السيطرة على فنزويلا كي تصبح ضمن مساحة نفوذها وليس ضمن مساحة نفوذ خصوم أو أعداء أمريكا، لم يتردد في تنفيذ سيناريو اختطاف الرئيس من أجل تغيير بوصلة سياسة فنزويلا وتولي بيع نفطها وثرواتها.
والجميع، حلفاء وأصدقاء وخصوم وأعداء أمريكا، يتساءلون عن ما يُخبّئ لهم الرئيس ترامب من مفاجآت في اليوم التالي. كل ما يقوم به الآن وسيقوم به غدًا الرئيس ترامب هو الحفاظ على مقومات الهيمنة الأميركية. الشعار الذي يرفعه ترامب ويهتدي به، وفحواه “أمريكا أولاً”، هو تعبير دبلوماسي ومهذّب، ومعناه الحقيقي “الهيمنة وبكافة الوسائل لأمريكا”. وهيمنة أمريكا على العالم تعني توظيف العالم لمصلحة أمريكا.
أوروبا، دولًا واتحادًا، كانت هي الحليف الأقرب والاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية، ولدى جميع ومختلف الإدارات الأميركية، ومنذ أكثر من ثمان عقود تقريبًا، ولكن هل لا تزال أوروبا كذلك؟ صراحة، لم تعد أوروبا هي الحليف الأقرب للولايات المتحدة الأميركية، ولكنها ستبقى، وبالإكراه، دول ارتكاز ودعم للولايات المتحدة الأميركية.
قرارات وسياسة الرئيس ترامب أحدثت شرخًا كبيرًا في طبيعة العلاقات بين ضفتي المحيط الأطلسي (بين أوروبا وأمريكا)، ونعتقد بأن المنهج الترامبي وتداعياته سيستمر حتى بعد انتهاء رئاسة ترامب، لسببين: السبب الأول أن ترامب بنهجه وسلوكه أصبح ظاهرة لها معتقديها وجمهورها وأتباعها؛ السبب الثاني هو أن من سيخلف الرئيس ترامب يجد من الصعوبة التخلي عن المكاسب التي حققتها أمريكا في عهد الرئيس ترامب، سواء مكاسب سياسية أو اقتصادية أو توسع جغرافي، وليس من المستبعد أبدًا أن يستمر على خطى ونهج الرئيس ترامب في السياسة والإدارة.
بين أوروبا وأمريكا أزمات وتصعيد ومواجهة:
أزمات قيميّة وأخرى سياسيّة وعسكرية، تتصاعد يومًا بعد يوم وتنذر بمواجهة بين الطرفين، وخاصة في جزيرة غرينلاند. أصبح الأوروبيون يواجهون روسيا في أوكرانيا ويواجهون أمريكا في غرينلاند. أزمات قيميّة منشؤها هو تعاطي الرئيس ترامب مع الديمقراطية والحريات والقوانين الأممية والدولية والشرعية الدولية والسيادة الدولية بطريقة مختلفة وتتناقض مع جوهر ومضمون هذه المفاهيم. الأوروبيون يشعرون ويعيشون حالة خوف وحذر وحيرة إزاء حليف في الماضي “ومخيف” في الحاضر، ويسعى إلى تقويض ركائز النظام الدولي ويهدّد أمن واستقرار أوروبا والعالم.
غزو فنزويلا واختطاف رئيسها وإدارة ثرواتها النفطية أمر صدم العالم والأوروبيين، حتى إن الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير وجّه انتقادًا غير مسبوق للسياسة الخارجية الأميركية في عهد ترامب، وبعد غزوة فنزويلا، محذرًا من انهيار القيم وتحول النظام العالمي إلى “وكر لصوص” تتحكم فيه القوى العظمى بلا ضمير.
الأزمة القيميّة الأخرى هي تآكل الثقة بين أوروبا وأمريكا، وهي أزمة استراتيجية وأكثر من غيرها من الأزمات إيلامًا في بنية المجتمعات والدول، وتداعياتها تعمّ العالم بأسره. والثقة أو المصداقية، كلاهما رأس مال الغرب، ولطالما تبجّح الغرب بهما، واستصغر باقي الشعوب والأمم التي تفتقر (حسب تقييمه) لهما.
كيف أصبحت الثقة بين أوروبا وأمريكا صرحًا وأساسًا صلبًا لأقوى وأقدم تحالف؟
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بتاريخ 31/12/1991، أصبحت أوروبا في حالة تبعية مطلقة للولايات المتحدة الأميركية، أو في مفردات أخرى أصبحت أوروبا “ذيلًا للولايات المتحدة الأميركية”. لماذا؟ لأنها (أي أوروبا) غُرّرت بما حققته الولايات المتحدة الأميركية: سبق انهيار الاتحاد السوفيتي بشهور قلائل انتصار سياسي ودبلوماسي وعسكري لأمريكا في الجهود التي بذلتها في قيادة العالم من أجل تحرير الكويت، تلاه انتصار آخر عقائدي وفكري وسياسي تمثّل في انهيار أكبر خصم لأمريكا وهو الاتحاد السوفيتي.
نشوة الانتصارات الأميركية أبهرت حلفاءها، وفي مقدمة الحلفاء أوروبا، كما أغرت النشوة قادة أمريكا والدولة العميقة في أمريكا فتمادوا في تنفيذ استراتيجيتهم وخططهم في تثبيت واستمرار مقومات الهيمنة الأميركية على العالم، ومعيّة الهيمنة الأميركية، هيمنة إسرائيل، وخاصة في المنطقة وحوض البحر الأبيض المتوسط. كرّست الولايات المتحدة الأميركية تماديها في العمل العسكري وفي الهيمنة، من خلال احتلال العراق في شهر آذار عام 2003، دون قرار من مجلس الأمن يجيز الحرب بشكل مباشر، حيث لم تتمكن أمريكا وبعض حلفائها من الحصول على تفويض صريح بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، واعتمدوا بدلًا من ذلك على ادعاءات بوجود أسلحة دمار شامل وتهديدات إرهابية وتفويض داخلي من الكونغرس الأميركي لشن الحرب، وهو ما أدى لانقسام دولي ووصفه الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي عنان بأنه انتهاك للقانون الدولي.
إزاء ما أقدمت عليه الولايات المتحدة الأميركية، ومنذ أكثر من ثلاثة عقود، استسلمت أوروبا لأمريكا، واستنتج قادتها (وأقصد قادة أوروبا) بأن مصيرهم بيد أمريكا المقتدرة، وأن تكون سياستهم الخارجية والاقتصادية تعكس سياسة أمريكا، وهو استنتاج خاطئ مبني على تقديرات وتقييمات مصدرها الإعلام الموجه واللوبيّات، وليس دراسات وتحذيرات النُخب والمفكرين. لم تدرك أوروبا الأسباب الحقيقية التي دفعت الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك (المتوفي عام 2019) رفضه القاطع لشن حرب على العراق والتماشي مع أمريكا وبريطانيا بعمل عسكري دون موافقة مجلس الأمن والأمم المتحدة.
وقال دومينيك دو فيلبان، وزير خارجية فرنسا، في خطابه في الأمم المتحدة حينها: “في صرح الأمم المتحدة هذا، نحن حراس المثالية، وحراس الضمير. المسؤولية الثقيلة والشرف الكبير الذي نملكه يجب أن يقودانا إلى إعطاء الأولوية لنزع السلاح في سبيل السلام. فرنسا بلد عجوز، وأوروبا التي أنا منها قارة عجوز، تقول لكم هذا اليوم، أوروبا التي عرفت الحروب والاحتلال والهمجية”.
وفي 18 آذار/مارس 2003، أعلن الرئيس شيراك أن: “فرنسا تدعو الجميع لتحمل المسؤولية في احترام الشرعية الدولية.. إن الخروج عن شرعية الأمم المتحدة، وإعطاء الأولوية للقوة على القانون، يعني تحمل مسؤولية كبيرة”.
الأسباب الحقيقية التي دفعت فرنسا لرفضها القاطع للحرب التي شنتها أمريكا وبريطانيا على العراق هي “المصلحة الاقتصادية والسياسية لأوروبا” ومصلحة الحفاظ على الشرعية الدولية واحترام مواثيق الأمم المتحدة. لم تبدأ أمريكا مشوارها في الخروج على الشرعية الدولية وانتهاك ميثاق الأمم المتحدة وعدم احترام سيادة الدول اليوم، بدأ المشوار منذ عهد الرئيس جورج بوش الابن، والرئيس ترامب، كما نشهد ونلاحظ، يواصل المشوار، وبدعم بريطاني (التي خرجت من الاتحاد الأوروبي) وإسرائيلي.
اليوم أوروبا تدفع الثمن، وأصبحت عرضة ليس فقط لتنمّر أمريكا، وإنما حتى لتنمّر إسرائيل! اليوم، كتّاب ومفكرو أوروبا ينعّون حالها، وإذا كانت أوروبا في تسعينيات القرن الماضي تُوصف بالقارة العجوز كما نعتها وزير خارجية فرنسا دومينيك فلبان، فهي الآن عجوز وبدون معين.
نشرت مجلة لوبوان (Le Point) الفرنسية، بتاريخ 28/12/2025، مقالًا للكاتب جيرار أرو، كتب فيه: “أن عام 2025 شكل نقطة تحول تاريخية قلبت المسلمات التي حكمت النظام الدولي منذ عقود، وأدخلت أوروبا في مرحلة غير مسبوقة من العزلة وعدم اليقين”. في ظل هذا التحول، كما يقول أرو، وجد الأوروبيون أنفسهم وحدهم في عالم أكثر خطورة، وهم غير مستعدين سياسيًا ولا عسكريًا ولا اقتصاديًا لمواجهة التحديات، بسبب أزماتهم الداخلية، وتناقض مصالحهم، واستمرارهم في الرهان على أن ترامب مجرد “مرحلة عابرة”، مما عمق ضعفهم وشجع قوى أخرى، وعلى رأسها الصين، على استغلال هذا الوهن اقتصاديًا واستراتيجيًا.
وول ستريت جورنال نشرت مقالًا بعنوان “هل انتهى تحالف الغرب” بتاريخ 27/12/2025، (رأي اليوم، صحيفة إلكترونية، بتاريخ 28/12/2025)، جاء فيه: “شكل التحالف الغربي بين الولايات المتحدة وأوروبا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إحدى الركائز الأساسية للنظام الدولي. فقد قام هذا التحالف على الإيمان المشترك بـ”الديمقراطية والحرية”، وأسهم في الحروب الكبرى، وهزيمة الشيوعية، وقيادة موجة ازدهار اقتصادي عالمي غير مسبوقة. بيد أن هذا التحالف التاريخي أصبح اليوم محل شك متزايد”.
وتساءلت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية -في تقرير أعده ديفيد لونو رئيس مكتب الصحيفة في المملكة المتحدة، وماركس ووكر رئيس مكتب جنوب أوروبا- عما إذا كان هذا التحالف قد وصل إلى مرحلة الانهيار. على أوروبا الآن التفاوض على اتفاق جديد تمامًا مع الولايات المتحدة قائم على “التجارة والصفقات” و”ما يمكن أن تجنيه الولايات المتحدة ماديًا من أوروبا”.
تصدّع التحالف الأوروبي-الأميركي أصبح واقعًا وله تداعياته، وليس مجرد تكهّن أو حديث، وله أسباب تجعل آثاره بالغة السوء على أوروبا، فما هي هذه الأسباب؟
بالتأكيد لم يعد لأوروبا أي دور في الاستراتيجية الأميركية التي صنعها الرئيس ترامب، استراتيجية قائمة على ركائز تتناقض تمامًا مع متبنيات الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي، وقد بيّنا في تحليل سابق، نُشِرَ في العدد 204 من هذه المجلة، ماهية هذه الركائز، ونكرّرها للتذكير هي: أمريكا أولاً، والسلام بالقوة، وإملاء الشروط على الآخرين وضرورة إطاعتهم، وتجاوز الشرعية الدولية والقوانين والمواثيق الدولية والأممية.
هدف الاستراتيجية الأميركية اليوم هو الحفاظ على الهيمنة والتخلص من الأعداء والخصوم، وخاصة الضعفاء منهم، واحتواء وحصار الأقوياء منهم، وبكافة الوسائل الشرعية وغير الشرعية، ومن بين تلك الوسائل غير الشرعية الغزو الخارجي واختطاف رئيس دولة، بعد شيطنته واتهامه بما تراه وتجدّه أمريكا مناسبًا لحالته، كما حصل مع الرئيس الشرعي لفنزويلا بتاريخ 3/1/2026 (اتهامه بالمخدرات، وليس بأسلحة الدمار الشامل كالعراق، أو النووي والصواريخ كإيران).
الغزو الخارجي والتهديد بالحرب وإشاعة أجواءها (كما نشهده اليوم إزاء إيران) وما آل إليه الموقف الأميركي إزاء أوكرانيا من تراجع في الدعم وخذلان للأوروبيين، كلاهما مساران في خدمة الاستراتيجية الأميركية وتحقيق أهدافها، وقد توفّرت الاسباب المناسبة للرئيس ترامب للمضي بهذين المسارين (الغزو الخارجي وإشاعة أجواء الحرب والموقف من أوكرانيا).
فما هي، ياترى، هذه الاسباب؟
أولاً: الشخصية والسلوكية الجدلية للرئيس ترامب القائمة على مبدأ (خالف تُعرف)، وعلى الغموض وعدم الاستقرار واستحالة التنبؤ، والصدمة، وخلق شعور “بعدم اليقين الاستراتيجي”، وإرباك المتلقي لحديثه، علمًا بأن إرباك المتلقي هي واحدة من وسائل التفاوض السياسي. عندما يتحدث الرئيس ترامب يترك انطباعًا بأنه يعاني من حالة تشتت الكلام وارتباك في طرح الأفكار، وأورد هنا حالة من سبعة حالات رصدتها جريدة الغارديان خلال السنة الأولى لولايته الثانية الحالية، ونشرتها بتاريخ 23/1/2026، نقلتها عن الجريدة المذكورة صحيفة رأي اليوم الإلكترونية بذات التاريخ، حالات غريبة تلفت انتباه المتلقي وتشدّه وتجعله في حيرة، لذلك لا نستبعد تعمّده افتعالها.
خلال اجتماع مع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في أسكتلندا، انتقل ترامب في حديثه فجأة من ملف الهجرة إلى موضوع طواحين الهواء، وقال إنه لن يسمح ببناء أي طاحونة هوائية في أمريكا لأنها مدمرة وتشوه جمال المناظر الطبيعية في البلاد. وفي استطراد دام دقيقتين، قال إن طواحين الهواء تسبب الجنون للحيتان، وإن طاقة الرياح “تقتل الطيور”.
وفي حالة أخرى، تحدث الرئيس ترامب عن كيفية نزول القادة السلالم. ففي أواخر سبتمبر/أيلول 2025، استدعت إدارة ترامب فجأة كبار القادة العسكريين لاجتماع في فرجينيا. وأثناء خطاب بالمناسبة، أشاد ترامب بنجاحاته، خاصة في المجال العسكري، قبل أن يتحدث مطولًا عن الطرق المختلفة لنزول السلالم، وانتقد طريقة سلفه جو بايدن في نزول السلالم وقال إنه كان يسقط كل يوم. وتحدث عن نفسه مؤكّدًا أنه حذر للغاية أثناء نزول السلالم ويمشي ببطء شديد. كما تحدث عن طريقة باراك أوباما وقال إنه كان ينزل بسرعة دون أن يمسك بالدرابزين، وعلق بالقول إن هذا هو الشيء الوحيد الذي يحترمه من إرث أوباما.
سلوكية الرئيس ترامب وتصرفاته الغريبة جعلت الصحافة والإعلام والسياسيين، وحتى المنجمين، يهتمون بتصرفاته وخطاباته وتغريداته على منصات التواصل الاجتماعي أكثر من اهتمامهم بتداعيات أفعاله وقراراته. وكشاهد على ما نقول، وصف الحاضرون في منتدى دافوس، المنعقد بشهر كانون الثاني 2026، خطاب الرئيس ترامب، والذي دام أكثر من 73 دقيقة، الجو العام بأنه “سيرك ترامب”، حيث تلاشت القضايا التقليدية للمنتدى تحت وطأة الخطاب الترامبي الذي اتسم بنبرة تحدٍ غير مسبوقة وطروحات غير مألوفة.
أعتقد أن الرئيس ترامب نجح في إعادة تعريف العلاقة مع الحلفاء، لا كشركاء متساوين، بل كأطراف يجب أن تدفع ثمن الحماية وتساهم في الحفاظ على هيمنة أمريكا، والأوروبيون هم المعنيون بذلك أكثر من غيرهم من الحلفاء: أي مع سياسة الرئيس ترامب يقع على عاتق الحليف التزامان؛ الالتزام الأول هو قبول ما تمليه أمريكا من شروط وتعريفة كمركية… إلخ، والالتزام الثاني المساهمة سياسيًا وماديًا وجغرافيًا في الحفاظ على هيمنة أمريكا. يشّذ عن قاعدة علاقة أمريكا والحلفاء إسرائيل، فهي محصّنة من أيّة إزعاجات أو التزامات أمريكية.
في الحقيقة، الأوروبيون ساهموا إلى ما وصلوا إليه الآن من ضعف وهوان سياسي واقتصادي، غضّوا النظر عن خطوات أمريكية أضرت مصالحهم كثيرًا، جهلاً أو اعتقادًا منهم بأنها خطوات لهيمنة أمريكا والغرب، وهي بالتالي ستكون لصالحهم؛ غضّت النظر ألمانيا عن الهجوم الإرهابي على خطوط أنابيب “السيل الشمالي”، وتتناسى دول الشمال أن ما حدث وقع على مرأى ومسمع من أجهزتها وأقمارها الاستخبارية، ويتناسى الأوروبيون من المتسبب في المشكلات الحقيقية التي يواجهونها اليوم في الاقتصاد والهجرة وهروب رؤوس الأموال والصناعة إلى أماكن رخيصة الطاقة بعد تنازلهم (وأقصد الأوروبيين) طوعًا عن مصادر الطاقة الرخيصة من روسيا، رغم أنفهم، بعد مرحلة شيطنة روسيا.
ولكن كيف سيكون حال الأوروبيين، وماذا هم فاعلون إذا كشفت لهم الأيام ما كان خافيًا، حيث لا نستبعد مطلقًا بأن الرئيس ترامب قد رتّب مصير بعض من جغرافيتهم أو قارتهم (أوكرانيا، غرينلاند) مع القوى الكبرى، مع روسيا ومع الصين، لا يهمه مطلقًا احتجاج أو معارضة الأوروبيين.
الرئيس ترامب يسعى لفتح آفاق للعمل والاستثمار بين روسيا والولايات المتحدة، ونلاحظ اللقاءات بين رئيس الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة والممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون الاستثمار والتعاون الاقتصادي الخارجي كيريل دميترييف، وستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، لعلهم يتناقشون في طرح مشروعات روسية-أمريكية مشتركة في القطب الشمالي وعن أوكرانيا. بعد فشل أوروبا في أوكرانيا، لم يعد لأوروبا دور مهم في التوازنات الاستراتيجية الجديدة؛ الحوار الجدي حول مستقبل العالم يجري اليوم بين روسيا والولايات المتحدة والصين والهند.
ثانيًا: سبب آخر ساعد الرئيس ترامب على تبني مسار الغزو الخارجي والتهديد بالحرب وإشاعة أجواءها، وهو احتلال روسيا لأوكرانيا، وكذلك حرب الإبادة في غزة، والعربدة الإسرائيلية المستمرة في المنطقة، وحروب أخرى. أغتنم الرئيس ترامب حالة تعايش مُرغم لدول وشعوب العالم مع حالات الغزو والقتل والجرائم والتجاوز على الشرعية والسيادة، فأقدم هو الآخر نحو فنزويلا، ومضى على خطى الرئيس بوتين في أوكرانيا، في تجاوزه على سيادة أوكرانيا، وبارك بما قام به نتنياهو في غزة وغير غزة.
دراسة المشهد والواقع السياسي والميداني في العالم تسمح لنا بالقول بأن ثلاثة قوى تجول وتصول في مصائر العالم والشعوب وخراط المناطق والدول: أمريكا (الرئيس ترامب)، وإسرائيل (نتنياهو)، وروسيا (بوتين). هؤلاء الرؤساء (ترامب-بوتين) جعلوا من نتنياهو (المدان دوليًا بجرائم حرب وإبادة) في مصاف القادة، وجعلوا من إسرائيل قوة تتحكم ويُعول عليها في تغيير الخرائط. ألم يصرح ويكرر نتنياهو في خطاب تلو الآخر بأنه ماضٍ في تغيير خارطة الشرق الأوسط؟ وحين يستخدم نتنياهو مفردة “ماضٍ” في تغيير منطقة الشرق الأوسط، فهو يقول لنا: “أنا بدأت في تغيير خارطة الشرق الأوسط، ومشاهد بداية التغير واضحة للعيان”.
نتنياهو مدلّل ترامب علنًا وبعلم الجميع، وهو أيضًا كذلك للرئيس بوتين سرًا، ومنذ مدة. والتعاون والتنسيق الروسي-الإسرائيلي، ولمصلحة روسيا وإسرائيل، أبان فترة نظام الحكم السابق في سوريا، كان واضحًا ومرصودًا للمتتبع الحصيف. الإدارات الأميركية المتعاقبة، وفي مقدمتها الرئيس ترامب وكذلك الرئيس بوتين، ساهموا بتأهيل “وتنمّر” نتنياهو، والذي احتفظ بكرسي رئاسة الوزراء منذ 1996، باستثناء مدد قصيرة جدًا. ليس بمحض الصدفة أو بقوة القدر تجذّر نتنياهو بقيادة إسرائيل، وهو القائل: “إذا كان بن غوريون قد أسس إسرائيل فأنا سوف أسّس إسرائيل الكبرى”.
هذا الثلاثي (ترامب، بوتين، نتنياهو) له مصلحة في تفكيك الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط، وخطواتهم نحو تفكيك الاتحاد الأوروبي ليست فقط مدروسة، وإنما متفق عليها، ويقودهم في هذا المسار والمسعى الرئيس ترامب. يبدو أن تاريخ نهاية صلاحية استخدام الاتحاد الأوروبي قد حان، لماذا؟ الجواب على السؤال يدعونا إلى العودة إلى التاريخ القريب.
عند نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، حيث أوروبا مدمّرة، اليابان منهكة، والاتحاد السوفيتي مستنزف بشريًا واقتصاديًا، خرجت الولايات المتحدة وهي تملك أكثر من 50% من الناتج الصناعي العالمي، لم تُدمّر بنيتها التحتية، تمتلك احتياطات ذهب هائلة، وتسيطر على النظام المالي العالمي، فوضعت خطة مارشال (1947–1951) لإعادة إعمار الآخرين، لكن أهدافها الفعلية كانت أعمق، وهي خلق طلب خارجي دائم على المنتجات الأميركية، ومنع انهيار الأسواق الأوروبية التي تحتاجها أمريكا، ومنع صعود الشيوعية عبر الاستقرار الاقتصادي، وربط أوروبا بالنظام المالي والتجاري الأميركي. بمعنى آخر، أمريكا صدّرت فائض إنتاجها بدل أن تعاني من كساد، وحوّلت أوروبا إلى شريك تابع لا منافس.
خلال تلك الفترة أيضًا، استطاعت الولايات المتحدة الأميركية أن تفرض الدولار عملة الاحتياط العالمية، حيث تم ربطه بالذهب حتى 1971، كما تم إنشاء صندوق النقد والبنك الدولي بقيادة أمريكية. هذا الأمر مكّن الولايات المتحدة من تمويل عجزها بطباعة الدولار، فرض سياسات اقتصادية عالمية، ومعاقبة الخصوم ماليًا دون حرب (مقتبس من مقال بعنوان: “سقوط الإمبراطورية التي تفترس حلفائها”، جريدة الحوار الإلكترونية، بتاريخ 18/1/2026، بقلم عماد عكوس).
تشير بعض الآراء، وهي آراء مستندة إلى وثائق دبلوماسية سرية، سمعناها من مسؤولين أوروبيين، ولكن لم نطلع على الوثائق، تشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية سمحت بتأسيس الاتحاد الأوروبي وتطوره لسببين:
- كي يكون كتلة سياسية واقتصادية وبشرية موحّدة، تابعة بشكل مطلق للولايات المتحدة الأميركية، ووسيلة لتقويض الاتحاد السوفيتي ومنع تمدده وتطوره في أوروبا خلال فترة الحرب الباردة.
- كي تتحمل دول أوروبا الغربية الثريّة نفقات تأهيل دول أوروبا الشرقية وانضمامها إلى أوروبا الغربية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وعدم عودتها إلى روسيا.
أمريكا، وحسب ذات الآراء والمستندة إلى معلومات، هي التي طلبت من الأوروبيين عدم تطبيق اتفاقات مينسك الموقعة بين روسيا وأوكرانيا عام 2014 وعام 2015، وطلبت منهم المراوغة والمماطلة، والهدف هو استفزاز روسيا ودفعها لشّن الحرب على أوكرانيا وأوروبا، واستنزاف روسيا وأوروبا، أملاً بتفكك روسيا.
ولكن لم يتوقع الأميركيون ولا الأوروبيون صمود روسيا نقديًا واقتصاديًا، كما لم يتوقع الأوروبيون خذلانهم من قبل أمريكا، وتركهم في حالة حرب واستنزاف مع روسيا.
الرئيس ترامب على استعداد أن يبيع العالم كله من أجل مصلحته ومصلحة أمريكا ومصلحة إسرائيل، لذلك من المقبول تصديق بعض المعلومات أو الأخبار المتداولة وفحواها أن اتفاقًا سريًا بين الرئيس ترامب والرئيس بوتين أُبرم خلال لقاءهما في ألاسكا بتاريخ 15/8/2025، بموجبه يسعيان، وبالتعاون مع الحليف الاستراتيجي نتنياهو، إلى إعادة تقسيم النفوذ وتبادل المصالح وتعديل الخرائط بما يخدم مصالح الأطراف الثلاثة (أمريكا، روسيا، إسرائيل).
هذا الاتفاق، وعلى افتراض صحته، يقود إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي، بما يضمن مصلحة روسيا وأمريكا، وتفكيك الشرق الأوسط بما يضمن توسع وهيمنة إسرائيل. ونشهد، على أرض الواقع، سواء في أوروبا أو في منطقتنا، مؤشرات لهذا الاتفاق وخطوات نحو التفكك.
على سبيل المثال: تصريحات ترامب تجاه قادة أوروبا وكشف مضمون رسائلهم، ليست إنتاج الخلايا الجنونية للرئيس ترامب، بل العكس، هي إرهاصات غريبة ومثيرة، بكل تأكيد، لكنها ذكيّة. الهدف منها زرع التردد والخوف واليأس في نفوسهم، والإظهار أمام العالم بأنه مرجع الجميع وحائط المناجاة والتوسّل. هي رسائل فحواها: “نحن لم نعد حلفاء بعد اليوم”.
*وردت هذه الدراسة في مجلة الشؤون العربية الصادرة عن جامعة الدول العربية



