تسمية القاضي نواف سلام الملتبسة ومأزق الشرعية السياسية (أكرم بزّي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
في الأنظمة الدستورية، لا تقاس شرعية القرارات الكبرى بنتائجها الظاهرة فقط، بل بسلامة المسار الذي أفضى إليها. ومن هذا المنطلق، فإن ما تكشفه مجريات التحقيق وتصريح النائب أحمد الخير لا يضع تسمية القاضي نواف سلام موضع نقاش سياسي فحسب، بل يفتح الباب أمام طعن جدي بشرعيتها الدستورية والقانونية.
تنص المادة 53 فقرة 2 من الدستور اللبناني على أن رئيس الجمهورية يجري الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة المكلف، على أن تعكس هذه الاستشارات إرادة النواب الحرة وغير المقيدة. وهذه الحرية ليست تفصيلا شكليا، بل جوهر العملية الدستورية، إذ تفترض أن يكون قرار النائب نابعا من قناعته السياسية دون ضغط أو توجيه أو إيحاء خارجي.
كما تؤكد المادة 27 من الدستور أن النائب يمثل الأمة جمعاء ويعمل وفقا لضميره، لا وفقا لتعليمات أو إملاءات من أي جهة كانت. وعليه، فإن أي تسمية تتأثر باتصال قدم على أنه صادر عن جهة خارجية رسمية، حتى ولو ثبت لاحقا أنه مزعوم أو غير صحيح، تكون قد شوبت في أصلها، لأن قرار التسمية لم يعد تعبيرا صافيا عن الإرادة النيابية الحرة.
وتنص مقدمة الدستور اللبناني، ذات القيمة الدستورية الملزمة، على أن لبنان دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وأن لا شرعية لأي سلطة تناقض مبدأ السيادة أو تخضع لإرادة خارجية. إن مجرد ترجيح كفة تسمية معينة استنادا إلى إيحاء بتوجيه خارجي، حتى وإن لم يكن حقيقيا، يشكل مساسا مباشرا بهذا المبدأ الجوهري.
ومن زاوية القانون الدستوري العام، فإن أي إجراء تشوبه عيوب التأثير غير المشروع في الإرادة يفقد مشروعيته، سواء كان هذا التأثير فعليا أو قائما على تضليل أو التباس. فالعبرة ليست فقط في صحة الجهة المتدخلة، بل في الأثر الذي أحدثه الادعاء بالتدخل على القرار السياسي المتخذ.
بناء على ذلك، فإن تسمية القاضي نواف سلام، كما تبلورت في ضوء الوقائع المعلنة، تعاني من خلل جوهري في مسارها الدستوري، لأنها لم تكن نتيجة منافسة سياسية شفافة بين خيارات داخلية متكافئة، بل ثمرة ظرف التباس وضغط سياسي ونفسي غير مشروع، أخل بحرية القرار النيابي.
من الأشرف لرئيس الحكومة المكلف أن يبادر إلى الاستقالة، حفاظا على ماء وجهه، لا سيما أنه ينتسب إلى السلك القضائي، وهو الأعلم بمقتضيات هذه الصفة ومتطلباتها الأخلاقية والدستورية. فالترفع عن الموقع عند الالتباس ليس ضعفا، بل فعل مسؤول يحفظ الاعتبار الشخصي والمؤسساتي، ويصون هيبة القضاء وموقع رئاسة الحكومة، ويؤكد أن الشرعية لا تبنى بالوقائع الملتبسة، بل بنظافة المسار الذي يقود إليها.



