ترامب وسقف الـ 10% : حين تفاوض أميركا مصارفها على ثمن المستقبل (سعيد عيسى)

بقلم الدكتور سعيد عيسى – الحوارنيوز

في مساءٍ شتويّ بارد، وبينما تتقدّم أسعار البقالة وإيجارات الشقق في نشرات الأخبار وعلى رفوف المتاجر معاً، بدا “سقف الفائدة” أقلّ شبهاً بمصطلحٍ تقنيّ وأكثر شبهاً بوعدٍ أخلاقي.
فعندما أعلن الرئيس دونالد ترامب نيّته تحديد الحد الأقصى لفوائد بطاقات الائتمان عند 10% لمدة عام واحد، بوصفه إجراءً طارئاً لمواجهة تضخّم تكاليف المعيشة، لم يكن يخاطب خبراء التمويل وحدهم بقدر ما كان يلمس أعصاباً يومية في حياة ملايين الأمريكيين، كيف تُدفع الفواتير حين تسبق الأسعار الأجور، وكيف يتحوّل “التأجيل” الذي تمنحه البطاقة إلى نمط عيشٍ كامل.
ومع أنّ المقترح يُعرض بوصفه علاجاً سريعاً لجرحٍ متفاقم، فإنّ بطاقات الائتمان، من زاوية أنثروبولوجية اقتصادية، ليست مجرد وسيلة دفع. إنها طريقة لتسييل المستقبل واستدعائه إلى الحاضر؛ عقدٌ اجتماعيّ مصغّر يربط الفرد بمؤسسات التصنيف الائتماني وبسرديات “الاستحقاق” و” الجدارة” و” الانضباط”. فالسؤال ليس فقط كم ستصبح الفائدة، بل من يُسمح له عملياً بالاقتراض، وبأيّ شروط، وبأيّ صورةٍ عن ذاته يحملها على كتفيه وهو يمرّر البطاقة على جهاز الدفع.
ولهذا تحديداً، لم يكد الإعلان يصدر حتى ظهر أثره كارتدادٍ ثقافي واقتصادي في آن. ففي وول ستريت، تراجعت أسهم شركات الدفع مثل “فيزا” و” ماستركارد” بنسبٍ تجاوزت 5%، وهبطت أسهم بنوك كبرى اعتادت أنْ تُدرّ عليها بطاقات الائتمان جزءاً ثابتاً من أرباحها. ثم جاءت تقديرات الخسائر المحتملة، التي تتحدث عن نحو 100 مليار دولار سنوياً من العائدات المفقودة، لتجعل المسألة تبدو أقلّ شأناً تنظيمياً وأكثر صراعاً على نموذج أعمالٍ كامل يقوم، في جوهره، على تسعير المخاطر وتحويلها إلى ربح.
غير أنّ ما يقرأه المستثمرون كخطرٍ على الإيرادات، يقرأه كثير من المستهلكين كفرصة لاستعادة شيء من الهواء. فالعائلات التي تحمل ديوناً دوّارة عند معدلات تراوح اليوم بين 20% و32% قد توفر مئات الدولارات شهرياً إذا انخفضت الكلفة إلى 10%. وفي بلد يمكن أنْ يتحول فيه عطل سيارة أو زيارة طارئة للطبيب إلى سلسلة أقساط متراكمة، تبدو الفائدة هنا كأنها ضريبة غير معلنة تُدفع مقابل الاستمرار في الحياة بصورةٍ طبيعية.
لكن الفائدة ليست رقماً في كشف الحساب فقط؛ إنها أيضاً حكمٌ أخلاقي خفيّ على من يضطرون إلى الاقتراض. ففي اللغة الدارجة يُقال إنّ الفائدة “تأكل” الدخل، وفي التجربة اليومية تتحول إلى شعورٍ بأنّ من يملك أقل يدفع أكثر. ومن هذا الباب يدخل المقترح إلى منطقة “الاقتصاد الأخلاقي”، تلك المساحة التي لا تُقاس فيها الأسواق بالكفاءة وحدها، بل أيضاً بالكرامة والإنصاف والحدود المقبولة لما يمكن أنْ يُسمّى “استغلالاً”. وعندما يكرر ترامب كلمة “استغلال”، فإنه يضع نفسه، عن قصد أو بغير قصد، في دور من يعد بإعادة رسم تلك الحدود.
ومع ذلك، فإنّ الأسواق لا تعترف بالأخلاق إلا بقدر ما تتحول إلى حوافز وقواعد. ولهذا سارعت جمعية المصرفيين الأمريكيين إلى التحذير من “انكماش الائتمان” إذا فُرض سقف 10% على الجميع، فالبنوك، وفق منطقها، قد تلغي ملايين البطاقات أو تخفض حدودها الائتمانية للأفراد ذوي التصنيف المنخفض، لأنّ العائد عند 10% قد لا يغطي مخاطر التعثر. وبذلك قد تتحول اليد التي تعد بالتخفيف إلى يدٍ تُغلق الباب في وجه من يحتاجون الائتمان أكثر من غيرهم، في مفارقةٍ مألوفة حين تُفرض العدالة سعرياً فتتغير خريطة الوصول لا كلفة الوصول فقط.
ومن زاوية الأنثروبولوجيا الاقتصادية، يضيف هذا التحذير طبقة أخرى للقلق، فحين يضيق الائتمان الرسمي، لا تختفي الحاجة، بل تبحث عن قنوات بديلة غالباً ما تكون أشد كلفة وأضعف حماية. وهكذا يصبح الخوف ليس من تراجع أرباح المصارف فحسب، بل من انتقال الاقتراض إلى مسارات أقل شفافية، مثل قروض يوم الدفع أو منتجات تمويلية غير مصرفية، أو حتى أشكال غير قانونية في الهوامش، حيث تتحول “حماية المستهلك” إلى شعارٍ لا يجد ترجمة عملية.
ثم إنّ المعركة لا تُخاض بالأرقام وحدها، بل أيضاً بالرموز التي تُغري الناس بالبقاء داخل اللعبة. فشركات الدفع التزمت الصمت رسمياً، لكنها عبر جماعات الضغط تحذر من أنّ سقف 10% قد ينسف برامج “المكافآت” والنقاط. وهذا التحذير يكشف وظيفة المكافآت بوصفها “هندسة رغبة” أكثر مما هي هدية، تحويل الاستهلاك إلى لعبة نقاط، ومنح شعورٍ بالذكاء المالي حتى حين يتضخم الدين. وفي الوقت نفسه، فإنّ أفضل المكافآت غالباً ما تذهب لمن يملكون تصنيفات أعلى ويسددون كامل الرصيد شهرياً، ما يجعلها، عملياً، إعادة توزيع داخلية تموَّل جزئياً من رسوم وفوائد يدفعها المتعثرون. لذا فإنّ التهديد بزوال المكافآت ليس مجرد قلق استهلاكي؛ إنه إشارة إلى اضطراب توازنٍ اجتماعي دقيق بين من “يستخدمون” البطاقة ومن “تستخدمهم” البطاقة.
وعلى خط السياسة، بدا المقترح وكأنه يعيد تشكيل الاصطفافات بطريقة مربكة. فبدلاً من انقسام حزبي تقليدي، ظهر تحالف غير مألوف: تقدميون ديمقراطيون مثل بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز يبدون استعداداً لدعم الفكرة بوصفها كبحاً للقوة المالية، إلى جانب جمهوريين شعبويين مثل جوش هاولي، بينما يعارضها جمهوريون تقليديون يرونها تدخلاً في السوق. وهذه ليست مجرد مفارقة برلمانية، بل علامة على أنّ الائتمان أصبح ساحة صراع على تعريف “المواطن المستحق”، هل يستحق الحماية لأنه يعمل ويدفع الضرائب؟ أم لأنه يتوافق مع معايير المخاطرة التي تضعها المؤسسات؟ أم لأن السياسة قررت فجأة أنّ سعر المال شأنٌ اجتماعي؟
غير أنّ العقدة الأكثر تعقيداً لا تكمن في الاقتصاد ولا في الخطابة، بل في القانون. فبحسب ما يتداول في النقاشات المحيطة بالملف، لا يملك الرئيس سلطة أحادية لفرض سقف اتحادي للفائدة عبر أمرٍ تنفيذي فقط، خصوصاً مع القيود المرتبطة بقانون الحماية المالية للمستهلك التي تمنع فرض سقوف من هذا النوع دون تشريع من الكونغرس. لذلك يتحول الموعد المستهدف، 20 يناير 2026، إلى ما يشبه تاريخاً رمزياً أكثر منه موعداً مضموناً، فيما يستخدم ترامب منصات التواصل للضغط على البنوك كي تخفض الفوائد “طوعاً” قبل أنْ تُحسم المعركة التشريعية.
ومع أنّ هذا الضغط قد يبدو، في لحظته، مجرد لعبة عضّ أصابع بين البيت الأبيض ووول ستريت، فإنه يكشف شيئاً أعمق عن الاقتصاد الأمريكي بعد التضخم، أنّ بطاقة الائتمان لم تعد أداة دفع فحسب، بل صارت مؤسسة اجتماعية بديلة تعوّض فجوات الأجور، وتؤجل صدمات الصحة والسكن، وتمنح إحساساً بالاستمرار حتى حين يتآكل المستقبل. ومن ثم، فإن النقاش حول سقف 10% ليس نقاشاً عن معدلٍ سنوي فحسب، بل عن الحد الذي تقرر عنده الدولة أنّ “سعر المال” لا ينبغي أن يكون حكماً على الكرامة.
وفي خضم ذلك كله، أضافت الإدارة عن غير قصد طبقة من الالتباس حين تزامن الحديث عن السقف مع إعلان “البطاقة الذهبية”، وهي في الواقع برنامج تأشيرات استثمارية للمهاجرين الأثرياء لا علاقة له ببطاقات الائتمان الاستهلاكية. لكن الالتباس يحمل دلالته الخاصة، في اقتصاد تتسع فيه الفوارق، تكفي كلمة واحدة-“بطاقة”- لتشير إلى عالمين متوازيين؛ بطاقة تُناقش لتخفيف عبء الفائدة عن ديون الاستهلاك، وأخرى تُصمَّم لفتح أبواب الإقامة لمن يملكون رأس المال. وبين العالمين تقف أمريكا وهي تعيد التفاوض، ليس على نسبة 10% وحدها، بل على معنى الاستحقاق نفسه: من يُحمى حين تغدو الحياة صفقةً باهظة، ومن يُترك لأسعار المال كما هي.



