دولياتسياسة

ترامب والعراب وقانون الغاب الجديد (أكرم بزي )

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

في واحدة من أكثر اللحظات رعبا وذكاء في تاريخ السينما، يقرر زعيم المافيا دون فيتو كورليوني(مارلون براندو) معاقبة خصمه المنتج المتغطرس جاك وولتز، ليس بالعنف المباشر، بل برسالة نفسية قاسية. بعد أن يرفض وولتز طلب العائلة، يستيقظ صباحا في جناحه الفخم ليجد ملاءته مبللة بالدم، ثم يكتشف رأس حصانه المحبوب مقطوعا وموضوعا إلى جانبه في السرير.
الدلالة الدرامية:
المشهد لا يعرض جريمة صاخبة، بل يكرس فلسفة المافيا كما يصورها الفيلم: القوة الحقيقية لا تحتاج إلى صراخ. الرسالة واضحة ومخيفة في آن واحد، نحن نعرف ما تحب، ونستطيع الوصول إليه في أكثر الأماكن أمانا بالنسبة لك. هنا يصبح الرعب أداة تفاوض، ويثبت دون كورليوني أنه يفضل الإخضاع النفسي على المواجهة المباشرة.
في الثالث من كانون الثاني ٢٠٢٦ استيقظ العالم على مشهد لا ينتمي إلى أروقة الدبلوماسية الدولية بل إلى سيناريوهات هوليوود وأقبية المافيا في نيويورك، حيث أقدمت الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب على اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واقتياده أسيراً إلى الأراضي الأمريكية. هذا الفعل الذي تجاوز كل الخطوط الحمر وضرب بعرض الحائط سيادة الدول ومواثيق الأمم المتحدة ومجلس الأمن، يثبت أن ترامب قرر أخيراً نقل “دستور روي كوهين” من أزقة المافيا الخفية إلى قمة الهرم العالمي، محولاً الدولة الأعظم إلى قوة لا تعترف إلا بمنطق القوة والترهيب والصفقات القسرية.
إن إثبات “مافياوية” ترامب ليس مجرد استنتاج سياسي، بل هو قراءة في تاريخ موثق بدأ من مواقع الإنشاءات في نيويورك خلال الثمانينيات، حيث تشير التقارير التاريخية والتحقيقات الصحفية إلى أن ترامب بنى إمبراطوريته العقارية عبر التعامل المباشر مع شركات خرسانة ونقابات عمالية كانت تدار كلياً من قبل زعماء عائلات المافيا الخمس.  في تلك البيئة، لم يكن ترامب مجرد مطور عقاري، بل كان تلميذاً في مدرسة “القبضة الخشنة” تحت إشراف محاميه روي كوهين، الذي كان يمثل في الوقت نفسه كبار رؤساء العصابات مثل “أنتوني ساليرنو” و”بول كاستيلانو”.

كوهين هو من غرس في ترامب القاعدة الذهبية للمافيا: “القانون ليس للحماية، بل هو سلاح للهجوم والمماطلة وإرعاب الخصوم”، وهو ما نراه اليوم يطبق على مستوى رؤساء الدول عبر “الجلب القسري” الذي كان يمارس لتأديب الخارجين عن طوع “العراب”.
أما الجانب الأكثر دهاء في هذه العملية فهو توقيتها الذي يتقاطع مع انفجار ملفات جيفري إبستين مجدداً، فمع بداية كانون الثاني ٢٠٢٦، بدأت وثائق وزارة العدل الأمريكية تكشف عن تفاصيل وصور وشهادات محرجة قد تطال ترامب شخصياً.

إن اختطاف مادورو اليوم هو “قنبلة دخانية” صممت بعناية لصرف انتباه الرأي العام عن تلك الفضائح، وبدلاً من أن تلاحقه أسئلة الصحفيين حول علاقته بإبستين، أصبح يتصدر المشهد كـ “محارب عالمي” نجح في اصطياد خصمه اللدود، وهذه هي فلسفة المافيا: خلق أزمة كبرى لدفن جثة صغرى، والهروب إلى الأمام عبر إشعال حريق يضمن بقاء الزعيم فوق الشبهات.
وفي المقابل، ظهرت روسيا والصين بمظهر العاجز عن تقديم رد فعل حقيقي يتجاوز حدود البيانات المنددة، فعلى الرغم من أن فنزويلا تمثل حليفاً استراتيجياً لهما، إلا أن ترامب استغل ببراعة شلل القوى العظمى أمام جنون المواجهة المباشرة، فموسكو الغارقة في استنزافها وبكين الحذرة اقتصادياً اكتفتا بالمطالبة بتوضيحات، والمثال الأبرز على هذا العجز هو فشل مجلس الأمن في الساعات الماضية في اتخاذ أي خطوة عملية لوقف نقل مادورو إلى سجن في نيويورك، مما أكد أن “العراب” في البيت الأبيض قد نجح في كسر هيبة الكبار وإهانة سيادتهم في عقر دار حلفائهم، ليثبت للعالم أن عقلية العصابة حين تملك جيشاً تصبح هي من يكتب القانون وهي من يحدد من هو المجرم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى