دولياتسياسة

ترامب للعالم :إحفظوا رؤوسكم ..اللهم إنّي قد بلغت !(واصف عواضة)

 

كتب واصف عواضة – خاص الحوارنيوز

ليس حدثا عاديا رؤية رئيس دولة محورية في العالم كفنزويلا،مكبلا بالحديد في يديه ورجليه ،محاطا بشرذمة من عناصر مكتب مكافحة المخدرات الأميركيين ،يساق مهانا ذليلا في نيويورك كأي مهرب أو زعيم عصابة من أميركا اللاتينية.

سبق أن رأى العالم مثل هذا المشهد عام 2016  في الواقع، وبعدها في المسلسلات،عندما اعتقلت الولايات المتحدة أحد أكبر تجار المخدرات المكسيكيين “خواكين غوزمان” الملقب ب “إل تشابو”. ولم تسنح الفرصة للولايات المتحدة بهكذا مشهد عام 1993 مع زعيم كارتل ميدين الكولومبي “بابلو أسكوبار” حيث قرر الرجل يومها التصدي بالسلاح لفرقة مكافحة المخدرات فقُتل وسلّم نفسه جثة هامدة ومن دون إهانة أو إذلال. لكن هذه “الفرصة الكريمة” لم تتح لنيكولاس مادورو الذي وجد نفسه فجأة على متن مروحية فسفينة حربية فطائرة مدنية إلى نيويورك،بدل أن يكون شهيدا مخلّدا في تاريخ أميركا اللاتينية والثورة البوليفارية التي قادها سلفه الراحل هوغو تشافيز عام 1999 .

سوف يقال ويُكتب الكثير عن اعتقال مادورو في غرفة نومه في القصر الجمهوري في كاركاس في عتمة ليل ،وعن الغطرسة التي مارسها دونالد ترامب وفريق عمله السياسي والعسكري في هذا المجال. وبالتأكيد لن تكون حال فنزويلا كما كانت عليه في عهد مادورو، ومن قبله معلمه الراحل تشافيز،ومن بعده خليفته ديلسي رودريغيز التي صرحت بأن فنزويلا “لن تكون مستعمرة لأي دولة مرة أخرى”.

لعل رودريغز غامرت بمثل هذا الكلام في لحظة انفعال أعقبت حدثا كبيرا كاعتقال رئيس الجمهورية وزوجته في غرفة النوم،وإطناب العاصمة بغارات جوية عنيفة دمرت مواقع عسكرية وقتلت نحو أربعين مدنيا وعسكريا لم تتح لهم فرصة الدفاع عن النفس ،بدليل عدم إصابة أي جندي أميركي في هذه العملية.

في عصر دونالد ترامب كل شيء مباح وممكن .

في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع فريق عمله ،هدد ووعد وتوعد ولم يرف له جفن.لم تصل رسالته إلى فنزويلا فحسب ،بل إلى كل العالم وحكامه :”إحفظوا رؤوسكم ..اللهم إني قد بلغت “!

كان وزير خارجيته مارك روبيو أكثر صراحة من سيده في المؤتمر الصحافي. هو قال بالفم الملآن عن ترامب:”يا جماعة هذا الرجل عندما يقول يفعل.. عندما يتحدث الرئيس الأميركي، يجب أن تأخذوا كلامه على محمل الجد ” !

يعتقد ترامب أن العالم اليوم ملك يديه بما يملك من إمكانات عسكرية وأمنية وتكنولوجية واقتصادية،وقد زادته عملية فنزويلا الخاطفة صلفا وغطرسة وتجبرا. ليس لأميركا اليوم منافس حقيقي يردع هذا الصلف والغطرسة.لا روسيا ولا الصين ولا إيران ولا البرازيل ولا الهند ولا الباكستان .لكل من هؤلاء همومه ومشاكله الخاصة ،ولا حاجة للتوسع في هذا المجال.أما الأمم المتحدة ومجلس أمنها الذي تحول إلى حائط مبكى ،فإن دموع الشاكين والباكين لم تعد تؤثر في عواطف أميركا، لا من قريب ولا من بعيد.

في عصر ترامب وثقافته ثمة خياران أمام العالم :الخضوع أو الحرب!

أما الخضوع فمكلف إقتصاديا ومعنويا ونفسيا..وأما الحرب فأكثر كلفة ،لكنها أكثر كرامة وأقل مهانة وإذلالا .

كان الرهان على خيار ثالث يمكن أن يلجم الغطرسة الأميركية ،من خلال تكتل دولي فاعل برزت ملامحه في دول “البريكس”.لكن هذا الخيار ثبت عقمه حتى الآن ،إذ لم يستطع حتى إيجاد عملة منافسة للدولار الأميركي ،وهو أقل ما كان يمكن أن يصنعه هذا التحالف الذي يبدو حتى الآن مجرد وهم ضائع.

في الخلاصة تمتلك الولايات المتحدة الكثير الكثير من عناصر القوة بما لا يضاهيها أحد في هذا العالم.لكنها أيضا تمتلك من عناصر الضعف ، وهي بالنتيجة ليست قدرا محتوما إذا ما تكافلت الإرادات الدولية لكبح جماح هذا المارد الذي قرر استغلال كل نقاط قوته لأخضاع الآخرين الذين يملكون أيضا الكثير من مواطن ومكامن الضعف.

     

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى