رأي

تحديات محور المقا.ومة في ظل التصعيد الصهيوني والاستعمار الديني العالمي (أسامة مشيمش)

 

بقلم د. أسامة مشيمش – الحوارنيوز

يمر محور المقا.ومة في هذه المرحلة بأحد أعقد الظروف التاريخية التي تتداخل فيها الأبعاد السياسية، الاقتصادية، العقائدية والعسكرية، في ظل تصعيدٍ غير مسبوق من قِبَل الكيان الصهيوني وداعميه في الغرب الاستعماري. وقد بات واضحًا أن هذه المواجهة لم تعد صراعًا تقليديًا بين محورين جيوسياسيين، بل أصبحت مواجهة وجودية تعبّر عن صراعٍ ديني عميق يرتبط بمفاهيم المهدوية في الفكر الشيعي، في مقابل عقائد مشوهة تستند إلى بعض التفسيرات الإنجيلية التلمودية تحرك المشروع الصهيوني المسيحي الذي يسعى إلى تعجيل ظهور “مسيح اليهود” المزعوم.

 

١- الحصار الاقتصادي وأثره

على بيئة المقا.ومة والمجتمع المقا.وم

 

إن الحرب الاقتصادية التي تُشنّ على دول وقوى محور المقا.ومة، وعلى رأسها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولبنان ، ليست مجرد عقوبات مالية، بل هي محاولة لكسر إرادة الشعوب عبر الضغط المعيشي والاجتماعي. فالبيئة الحاضنة للمقا.ومة في لبنان، على سبيل المثال، تعاني من تضييق اقتصادي خانق نتيجة العقوبات الأمريكية والغربية، وعمليات تهريب الأموال، وسياسات مصرفية مشبوهة، وذلك بهدف ضرب الروح المعنوية وزرع اليأس في النفوس.

لكن من منطلق عقائدي، فإن أبناء هذه البيئة يستمدون صمودهم من ثقافة الحسين عليه السلام، التي تُعلّم أن الجوع والعطش والحرمان ليست أسبابًا للانهزام، بل فرصًا للثبات والتضحية. وقد أكدت التجربة أن الحصار، بدل أن يُضعف المقا.ومة، قد زادها تمسكًا بخيارها الإيماني وقد ويستحضرنا في هذا السياق موقف الإمام الخميني قدس سره حيث قال “يجب ألا نخاف من الحرب والإرعاب أبداً. لماذا نخاف؟ نحن مكلفون ونعمل بتكليفنا ونحن محقون. عندما نكون محقين فلماذا نخاف؟ إنها تلك الكلمة التي قالها علي بن الحسين لوالده ـ بعدما قال له سوف تقتلون: قال ألسنا مع الحق؟ قال نعم نحن على الحق، قال إذن لماذا نخاف؟ لم يعد عندنا خوف”. هذا الموقف يجسد عمق الإيمان الذي يمدّ هذه البيئة بالقوة والصلابة في مواجهة كل المحن والشدائد.

 

٢– استمرار العدوان الصهيوني على لبنان

واختراق اتفاق وقف إطلاق النار

 

لم يلتزم الكيان الصهيوني يومًا بأي اتفاق، سواء في الجنوب اللبناني أو في غزة أو حتى مع المنظمات الدولية. فاستمراره في تنفيذ اعتداءات متفرقة في جنوب لبنان، واستهداف المدنيين، وقصف المنشآت والبنى التحتية، هو دليل واضح على أن هذا الكيان لا يفهم إلا منطق القوة، وأن ما يُسمى بـ”وقف إطلاق النار” بالنسبة له، ما هو إلا هدنة تكتيكية لإعادة التموضع وترتيب صفوفه إسعدادًا لمزيد من الخروقات والاغتيالات والمجازر.

الرد المشروع للمقاومة الإسلامية في لبنان يأتي في هذا السياق، كممارسة حق الدفاع عن النفس، وضمن معادلة الردع التي أثبتت فاعليتها منذ عام 2006 وحتى اليوم. ومن منطلق قرآني: “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم”، تمضي المقا.ومة بثبات مهما عظمت التضحيات وخير تعبير عن هذه العقيدة ما عبَّر عنه الشهيد السيد حسن نصرالله بقوله “عندما نذهب إلى نصرة الحق ستهدم بيوتنا، سيأتي جدار الصوت على مدننا وقرانا وخاصة في الجنوب، سيسقط لنا شهداء، سيقتل من شبابنا ومن كبارنا، ومن قادتنا، ومن رجالنا ومن نسائنا، ومن أطفالنا، وأمام هذه التضحيات ومن ومن ومن لا يتردد موقفنا لحظة واحدة على الإطلاق لماذا؟ لأننا نقول الحق”.

 

٣- خطر عودة الحرب من الجبهة الشرقية

(السلافين) والجنوبية (العدو الإسرائيلي)

 

تشهد الجبهة الشرقية تطورات مقلقة مرتبطة بإعادة إحياء تحالفات تاريخية معادية لمحور المقا.ومة، حيث تسعى بعض القوى السلافية، بإيعاز غربي،  حيث تعمل أجهزة استخباراتية إقليمية ودولية على تغذية الفوضى، وإعادة بعثرة الأوراق  بمعارك جانبية مع الإرهاب تُنهك قدراتها.  وتبعدها عن القضية المركزية (القدس) من خلال تحريك الجبهة  عبر الأراضي السورية أو العراقية، مستهدفة الامتداد الجغرافي للمقاومة من طهران إلى بيروت.

أما الجبهة الجنوبية، فقد باتت مشتعلة يوميًا نتيجة الاستفزازات الإسرائيلية المستمرة، بما يعكس نية الكيان بالتصعيد، ومحاولة استدراج حرب شاملة على محورين: جنوب لبنان وقطاع غزة، في محاولة لتفتيت الجبهة الداخلية للمقاومة لكن بعد كل هذا الصبر الاستراتيجي الذي مارسته المقا.ومة، لن يكون الردّ فعلًا انفعاليًا أو تحركًا ارتجاليًا، بل سيكون جزءًا من قرار واعٍ ومحسوب، يُنفّذ ضمن معادلة استراتيجية متكاملة.

وواقع الحال، أن أي حرب تُفرض على المقا.ومة ستكون شاملة ومفتوحة، ولن تقتصر على جنوب لبنان أو غزة، بل ستطال عمق الكيان الصهيوني، كما صرح بذلك قادة المقا.ومة مرارًا.

 

٤- سقوط وقف إطلاق النار

بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان

 

أصبح واضحًا أن الهدنة غير المكتوبة بين الجمهورية الإسلامية والكيان الصهيوني قد انتهت فعليًا. فالمواقف الصريحة الصادرة عن طهران حول وجوب الرد، وتصاعد وتيرة التوتر في مياه الخليج ومضيق هرمز، كلها مؤشرات على انفتاح الجبهة المباشرة بين الطرفين.

ومن منطلق إيماني، فإن الجمهورية الإسلامية لا تسعى إلى الحرب من باب الغلبة المادية فقط، بل تعتبر أن المواجهة مع الكيان الصهيوني هي جزء من واجبها الشرعي في تمهيد الأرض لظهور الإمام المهدي (عج)، انطلاقًا من مبدأ “وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة”.

لقد تجلّى الصراع الوجودي بين محور المقا.ومة والكيان الصهيوني بعنف الضربات التي أصابت العدو، وأوجعته بما لم يشهد له مثيل في تاريخه. هذه العمليات النوعية، التي شملت استهداف قواعد عسكرية، منشآت استراتيجية، ومستودعات أسلحة، لم تكن مجرد اعتداءات عابرة، بل كانت رسائل مدروسة تعكس عمق الاستعداد والإصرار على مواجهة التحديات بكل حزم وأحدثت صدمة سياسية ونفسية، هزّت ثقة العدو بنفسه، وأجبرته على إعادة تقييم مواقفه واستراتيجياته حتى لطلب العون المباشر من أميركا .

٥– الحرب الدينية:

بين المهدوية الشيعية والصهيونية المسيحية

 

الجانب الأخطر في هذا الصراع يتمثل في البعد العقائدي للحرب، حيث تحظى  الصهيونية المسيحية بدعم قوي عبر سياسيين أمريكيين، ومنظمات وحركات إنجيلية، وقادة روحيين يؤمنون بدور إسرائيل المحوري في تحقيق النبوءات الدينية والتي تسعى إلى خلق بيئة إقليمية تسهّل “ظهور مسيح اليهود” بحسب اعتقاداتهم التوراتية المحرّفة.

ومن هنا يأتي دعمهم اللامحدود لإسرائيل، ومحاولاتهم إشعال حرب كبرى في الشرق الأوسط ليس في إطار مصالح إنما في سياق  بُعد عقائدي وديني «أن كل مسيحي يجب أن يؤمن بالعودة الثانية للمسيح، وأن قيام إسرائيل واحتلال القدس هما إشارتان إلهيتان بقرب العودة الثانية للمسيح، وبناءً على ذلك، فإن جميع أشكال الدعم لإسرائيل ليس أمرًا اختيارًا، وإنما قضاء إلهى لأنه يؤيد ويُسرع قدوم المسيح، وبالتالي فإن كل من يقف ضد إسرائيل يعتبر عدوًا للمسيحية وعدوا لله بالذات».

منذ عهد هاري ترومان، أول رئيس أمريكي يعترف رسميًا بدولة إسرائيل عام 1948، مرورًا بجميع الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض، وحتى عصرنا الحالي تحت قيادة دونالد ترامب الذي تجسد دعمه بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، يستمر المنهج الأمريكي تجاه إسرائيل ثابتًا وبزخم أكبر.

في المقابل، فإن محور المقا.ومة، وخاصة في فكره الشيعي، يرى أن هذه الحرب ليست فقط دفاعًا عن الأرض والعرض، بل هي جزء من التمهيد لظهور الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف)، الذي سيقود حركة عدل عالمية تُنهي ظلم الطغاة والمستكبرين.

ومن هذا المنطلق، فإن الصراع مع الصهيونية ليس صراعًا سياسيًا فحسب، بل هو صراع ديني وجودي بين معسكر الحق ومعسكر الباطل، بين من ينتظرون المهدي، وبين من يعملون لتمكين المسيح الدجال.

وفي الختام:

الصراع الحالي الذي يعيشه محور المقا.ومة ليس طارئًا ولا منفصلًا عن السياق العقائدي والتاريخي للصراع بين المستضعفين والمستكبرين. إننا نعيش لحظة مفصلية تتطلب وعيًا عقائديًا وثباتًا مبدئيًا، لأن النصر، كما وعد الله في كتابه، سيكون لمن صدق وأخلص وضحّى. وكما قال الإمام الخميني (قده): “إن طريق القدس يمر من كربلاء”، فإن هذه المرحلة لا بد أن تقودنا إلى النصر الكبير بظهور الإمام الحجة (ع).

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى