سياسةمحليات لبنانية

انهيار لبنان.. وترف النأي بالنفس!

 

لبنان الغارق في الانهيار الاقتصادي والذي ازداد غرقاً بعد وباء كورونا وتأثيراته الكارثية على كل الصعد، لا شك يحتاج إلى يد تنتشله كيلا يضيع في غمرات الآتي القريب كما تحدثنا جلياً كل المؤشرات المختلفة.
وليست أزمته الكبرى كامنة في قطع علاقته الرسمية مع سوريا، لأسباب نفهم أبعادها جيداً ولن نخوض في تفاصيلها هنا، إلا أن إعادة العلاقة مع سوريا بعد أن تغلبت على حربها التي استمرت سنوات طوالاً سيكون لها أثرها الإيجابي المباشر على لبنان الشعب والمؤسسات قبل أن يكون على سوريا وشعبها ومؤسساتها.
لكن الجدال اللبناني الفارغ عادة لا يهدف عادة إلى ما فيه مصلحة الوطن العامة والكبرى، وإنما تحدده في كثير من الأحايين مصالح خاصة ضيقة، وفي غالب الأحيان إملاءات خارجية تفرض وجودها وقراراتها ومصالحها على هذه الفئة أو تلك. فالجهة التي تتخذ من النأي بالنفس سببها المباشر لعدم إعادة العلاقات الرسمية مع سوريا تعي تماماً أن بلداً كلبنان لا يتمتع بأي نفوذ إقليمي(ما خلا مقاومته طبعاً)، ولا يلعب أي دور محوري في العملية الاقتصادية مع جيرانه فيما لو قرر التنحّي أو الجمود أو السلبية، بل إن هذه العجلة الاقتصادية لن تتأثر فعلياً إلا في داخله الممزّق الذي يبحث عن أي فرج يؤمن له حيزاً بسيطاً في الوجود الجغرافي والسياسي والثقافي.
وليس هذا الكلام ازدراءً بوطننا وعوامل الأثر والتأثر الذي يمتلكه، ولكن على المرء أن يعرف حدّه ليقف عنده فلا تصيبه حالة الانتفاخ النفسي فيضيع ويضيع معه كل ما يمتلكه. ونقولها وبكل ثقة: لولا وجود المقاومة في لبنان والانتصارات التي حققتها أمام الكيان الصهيوني وداعمه الأميركي لما كان للبنان ذكر في الاستراتيجيات الدولية وتكتيكاتها الجزئية في هذه البقعة أو تلك، ولما كان ساحة للزيارات الدولية والاقليمية.
لقد رحّب السفير السوري في لبنان بفتح العلاقة مع بلاده واعتبر ذلك مصلحة لكلا البلدين، ودعا للتنسيق المباشر بين الحكومتين، خصوصاً مع وجود الحكومة الحالية ورئيسها حسان دياب. ونحن نعلم أن السفير يعلم أن الكرة ليست في ملعب الحكومة، فلبنان المؤثر يكمن في قرارات الأحزاب وإن لم تشارك في الحكومة، وهذه القرارات لا تحمل استقلالاً في اتخاذها أو تنفيذها أو البت في مضامينها، والمثل ببابنا في عدم قدرة إقالة حاكم مصرف لبنان، المقرّب من الدولة العظمى، ولا حتى استدعائه للتحقيق معه مع كشف صلته المباشرة والواضحة في تدهور الليرة اللبنانية. 
ليس للبنان متنفّس سوى سوريا، سواءً نأى بنفسه أم لم ينأَى، وسواء اعترف بالدولة السورية وانتصارها أم لم يعترف، والوضع الاقتصادي، خصوصاً بعض وباء كورونا، في انهيار مؤكّد بعد أن تخلى العالم عنا، وتُركنا فريسة صندوق النقد الدولي، فهل نبقى أسرى أحزاب الحرب والفساد والنهب الممنهج؟ وهل نبقى بلداً ريعياً يعتاش من موائد الثراء العربي التي لا تجد لها حيّزاً ضيقاً في فضاء السياسات الدولية؟ وهل هناك أحد في الشرق أو الغرب يستمع إلى تهافاتنا الطائفية والحزبية والمناطقية وكل يبكي الآن على أوضاعه الصعبة؟
نطالب الحكومة بالقيام بالمبادرة ولو كانت ثورة على الأعراف اللبنانية وسياساتها الضيقة، فإننا لا نملك ترف الوقت في انتظار تغير إقليمي أو دولي ما، فلقد أصبح نصف الشعب اللبناني من الطبقة الفقيرة، ولم يعد للطبقة الوسطى أي وجود، والزعامات السياسية الفاسدة لن يتعبها الانتظار ولا الرهانات، وعندما لا يجد الفقير ما يسدّ فيه رمق أولاده سيخرج على الناس شاهراً سيفه ومسدسه ومدفعه، وهذا الفقير يتمثل في أكثر بيوت وطننا الكسير، فهل ننتظر خروجه؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى