انتقائية القضاء اللبناني: عدالة ترى بعين واحدة؟ (أكرم بزي)

بقلم أكرم بزي – الحوارنيوز
تفتح قضية استدعاء الصحفي حسن عليق أمام الأجهزة الأمنية الباب واسعا أمام تساؤلات جوهرية حول فلسفة العدالة في لبنان وجدوى القوانين التي يبدو أنها لا تطبق إلا بـمفعول رجعي أو انتقائي، فمن المستغرب والمستهجن في آن واحد أن تتحرك النيابات العامة بكل ثقلها تجاه أصوات صحفية أو مواطنين يعبرون عن غضبهم في ظل ظروف قاسية من الغارات والقتل وفقدان الأهل، بينما تغط في سبات عميق تجاه عشرات آلاف التغريدات والمنشورات التي تثير النعرات الطائفية علنا وتتواصل مع المتحدثين باسم جيش العدو طلبا لتدمير مناطق لبنانية وقتل أهلها، إن هذا الصمت المريب تجاه التحريض العلني مقابل السرعة في ملاحقة الرأي يكرس سياسة الكيل بمكيالين ويحول القضاء من حكم محايد إلى طرف في النزاع السياسي، وهو أمر لا يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين المواطن والدولة وزيادة منسوب الاحتقان في الشارع اللبناني.
إن استدعاء الصحفيين أمام الأجهزة الأمنية بدلا من إحالة ملفاتهم إلى محكمة المطبوعات يمثل مخالفة صريحة لقانوني المرئي والمسموع والمطبوعات، فما يصدر في برنامج تلفزيوني عبر قناة مرخصة له أصوله القانونية في الملاحقة، وأي تجاوز لهذه الأصول هو قمع مبطن تحت غطاء القانون، كما أن اللجوء إلى التبليغات الهاتفية يخالف صراحة قانون أصول المحاكمات الجزائية الذي يوجب التبليغ بوثائق خطية رسمية، مما يطرح علامات استفهام حول الرغبة في الترهيب بدلا من تطبيق العدالة، ففي الوقت الذي يساق فيه صاحب الرأي إلى التحقيق بسب عبارة نقدية بسيطة، نرى كيف يمارس بعض “الناشطين” والمنافقين تحريضا يوميا تحت مسمى حرية التعبير، في ازدواجية مقيتة تجعل من شتم محور ما حقا مقدسا ومن نقد المحور الآخر جريمة لا تغتفر.
لقد آن الأوان لندرك أننا لا نزال محكومين بقانون عقوبات مترهل يعود لعام ١٩٤٣، وضعته عقلية بوليسية هدفها خنق الأصوات ومنع المواطن من نقد المسؤول عن أدائه الوظيفي والسياسي، فبينما تجاوزت الدول الغربية تجريم القدح والذم بحق الشخصيات العامة لضمان الشفافية، لا نزال نحن نخضع لملاحقات كيدية بسبب أوصاف مجازية مثل “طنجرة ولقيت غطاها”، إن القضاء الذي لا يتحرك تلقائيا لحماية السلم الأهلي من دعوات القتل والفتنة، ويوجه بوصلته فقط نحو الصحفيين وأصحاب الموقف السياسي، هو قضاء يضع صدقيته على المحك، فحرية التعبير لا يمكن أن تكون مجتزأة، والقانون لا يكون قانونا إلا إذا طبق بمسطرة واحدة على الجميع دون تمييز أو نفاق.



