العالم العربيسياسة

الواقع اليمني في مهب العواصف (أكرم بزي)

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

حلفاء الأمس أعداء اليوم، ما عدا مما بدأ حتى يشهد اليمن هذه  التحولات الدراماتيكية والتي تعيد تشكيل خارطة التحالفات والخصومات على نحو غير مسبوق ، حيث انتقل مركز الثقل من المواجهة التقليدية مع جماعة “انصار الله” بقيادة السيد عبد الملك الحوثي، الى صراع داخلي محتدم بين القوى المنضوية تحت لواء الشرعية ، وتحديدا في محافظة حضرموت التي تحولت الى ساحة لتصفية الحسابات والنفوذ بين القوى المدعومة من السعودية وتلك المدعومة من الامارات ، اذ بدأت قوات درع الوطن مسنودة بغطاء جوي سعودي عملية واسعة لاستعادة السيطرة على المعسكرات الاستراتيجية ، ما ادى الى اصطدام مباشر مع وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي التي ترى في هذه التحركات تهديدا لمشروعها السياسي . وتزامن هذا التصعيد الميداني مع انهيار سياسي داخل مجلس القيادة الرئاسي بعد قرارات الرئيس رشاد محمد العليمي الاخيرة التي اعتبرها البعض محاولة لتقليص نفوذ الاطراف المدعومة اماراتيا ، ما ادى الى شلل تام في العاصمة المؤقتة عدن واغلاق لمطارها الدولي وسط تبادل للاتهامات بالخيانة والتبعية.

فتش عن أميركا!

تتبنى واشنطن استراتيجية “الاحتواء المزدوج” في حضرموت من خلال موازنة النفوذ الإقليمي وتأمين الموارد، حيث تضغط دبلوماسياً لضمان عدم تحول التنافس السعودي الإماراتي إلى صدام مسلح يهدد استقرار شرق اليمن، مع التركيز على حماية المنشآت النفطية ومنع الفراغ الأمني الذي قد تستغله الجماعات “المتطرفة”، وهي بذلك تدعم الحلول التي تُبقي حضرموت تحت سلطة إدارية مستقرة تابعة للشرعية، بما يخدم استمرارية تدفق الطاقة ويمنع تمدد التهديدات الحوثية نحو بحر العرب، مع الحفاظ على شعرة معاوية بين حلفائها الإقليميين لضمان تماسك الجبهة المناهضة للمشروع الإيراني.

​وتتوزع خارطة النفوذ حاليا بشكل متشابك ، حيث تسيطر جماعة الحوثي على صنعاء ومعظم محافظات الشمال ذات الكثافة السكانية العالية وصولا الى اجزاء من مأرب والحُديدة ، بينما يبسط المجلس الانتقالي سيطرته العسكرية على عدن ولحج والضالع وساحل حضرموت ومناطق في شبوة والمهرة ، في حين تحاول الحكومة المعترف بها دوليا عبر قوات درع الوطن والوحدات الموالية لها تثبيت حضورها في وادي وصحراء حضرموت واجزاء من مأرب وتعز ، بينما تتمركز قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح في مدينة المخا والساحل الغربي . وفي المقابل يراقب الحوثيون في الشمال هذا التمزق في معسكر الخصوم بينما يستمرون في تصعيدهم البحري الذي جلب ضربات امريكية عنيفة على صنعاء والحديدة ، وانعكس هذا الصراع بمرارة على حياة المدنيين حيث تسبب في انهيار تاريخي للقدرة الشرائية وفقدت العملة الوطنية قيمتها بشكل متسارع ، ما دفع بأسعار المواد الغذائية والوقود الى مستويات تفوق طاقة المواطن العادي.

ما تشهده المنطقة ليس وليد صدفة أو سياقات معزولة، بل هو نتاج مخطط “أمريكي-صهيوني” استراتيجي يسعى إلى إعادة هندسة المنطقة وتصفية قضاياها الكبرى، بما يضمن التفوق المطلق للكيان الصهيوني والهيمنة الأمريكية الكاملة على المقدرات الاقتصادية والسياسية.

​هذا المخطط لا يتحرك في فراغ، بل يعتمد في جوهره على هندسة “أدوار مركبة” تتداخل فيها المصالح، حيث تلعب جهات إقليمية دور الوسيط والميسّر لتمرير هذه الأجندات، مستغلة نفوذها المالي أو السياسي للضغط باتجاه مسارات تخدم التهدئة مع الاحتلال وتطويق قوى المقاومة والممانعة. وتكتمل هذه الحلقة عبر التواطؤ مع أطراف داخلية (سياسية، أمنية، أو إعلامية) تعمل كأدوات تنفيذية على الأرض، مهمتها إضعاف الجبهة الوطنية من الداخل، وإثارة الأزمات المفتعلة، وشيطنة كل من يقف في وجه المشروع التوسعي.

​إن هذا التنسيق العابر للحدود يهدف إلى خلق حالة من الاستنزاف المستمر للدول والمجتمعات، بحيث تصبح “الأطراف الداخلية” هي الواجهة التي تنفذ سياسة “الفوضى الخلاقة” تحت غطاء إقليمي، بينما يظل المخطط الأمريكي الصهيوني هو المحرك الفعلي من خلف الستار.

 إن خطورة هذا الواقع تكمن في قدرته على تفتيت النسيج الوطني وجعل الصراع يبدو وكأنه خلاف داخلي أو إقليمي، بينما الهدف الحقيقي هو تذويب الهوية الوطنية والسيادة لصالح مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي يرى في تماسك المجتمعات وقوتها العائق الأكبر أمام طموحاته.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى