
الحوارنيوز – صحافة
تحت هذا العنوان كتب إبراهيم الأمين في صحيفة الأخبار:
البحث عن أسباب منطقية لشنّ الولايات المتحدة حرباً واسعة ضدّ إيران لن يقود إلى نتائج واقعية. فمن يعود إلى تصريحات دونالد ترامب قبل ستة أشهر، يدرك أن الرجل الذي اعتبر أنه حقّق «نصراً كاملاً» على إيران بضربة جوية واحدة، وأعلن وقف القتال ضد الحوثيين بحجة أنهم طلبوا الاستسلام، يجد نفسه اليوم أمام «واجب إلهي» لشنّ حرب لإسقاط النظام في إيران من أجل «بناء إيران العظيمة».
و«العظمة» في قاموس ترامب تنسحب على ممارساته داخل الولايات المتحدة، إذ تبيّن أن ما يقصده هو القوة العظمى وليس البلاد العظيمة. ويبدو أن شخصية نزِقة كهذه تصبح أسيرة خيارات تعكس، إلى حدّ كبير، نمط تفكيرها الشخصي. فصورة «الكاوبوي» القادر على كسر إرادة العالم بأسره تلازمه وتغريه باستمرار. وإلى أن يتلقّى صفعة مناسبة، سيبقى ممتطياً جوادَه الناري، شاهراً سيفَه في وجه البشرية جمعاء.
وبينما بدا واضحاً أنه، وإسرائيل، استعجلا خطف احتجاجات طبقة التجار في إيران على خلفية الأوضاع الاقتصادية، إلا أنه لم يتحمّل انحسار هذه الاحتجاجات. وهو في ذلك لا يُعير اهتماماً للأسباب، سواء أكانت نتيجة تسويات بين الحكومة الإيرانية والجهات التي تقف خلف التحرّكات، أم بعدما تبيّن فشل العناصر العملاء للولايات المتحدة وإسرائيل في نقل المشهد الإيراني من ضفّة إلى أخرى. ولذلك، يعود ترامب سريعاً إلى مشروعه الأصلي، القائم على إحكام السيطرة، مباشرة أو عبر إسرائيل، على هذه المنطقة من العالم.
وهذه المرّة، بدا أن ترامب أدرك أن إسرائيل لم تعد قادرة على تحقيق المطلوب. فكل ادّعاءات العدو بشأن جهوزيته لإنهاء إيران لم تعد صالحة للاستخدام. لذا، أدركت الولايات المتحدة أنه إذا كانت الحروب الواسعة وعمليات الإبادة غير المسبوقة لم تنجح في فرض سيطرة كاملة على المنطقة، فإن المنطق الأميركي يفترض أن «القوة المناسبة» لم تُصرَف بعد، ما يعني الحاجة إلى تفعيل مستوى أعلى من القوة. ولا يرى ترامب أساساً ما يوجب عليه تقديم ذرائع أو تبريرات لحربه المقبلة على إيران. فهو، في الأصل، ملّ أي تبرير تقليدي، وقال صراحة بعد «غزوة كاراكاس» إنه يفعل ما يراه مناسباً له، ولا يكترث لسماع آراء الآخرين أو انتقاداتهم.
عملياً، فإن التفاهم الذي جرى في الاجتماعات التي سبقت رأس السنة بين ترامب وحليفه الأول بنيامين نتنياهو تمحور حول كيفية توجيه ضربة غير عادية إلى إيران. والهدف لم يكن إخضاعها بحدّ ذاته فحسب، بل نتيجة قناعة بأن الحروب الأخرى لم تحقّق النتائج المرجوّة. فإسرائيل، بعد عامين من القتل والتدمير، تعود اليوم لرفع شعار نزع سلاح «حماس»، وتقرّ في الوقت نفسه بأن حزب الله استعاد عافيته، فيما لم ينعكس التغيير في سوريا بما يكفي على مجمل المنطقة. يضاف إلى ذلك تحوّلات آخذة في التشكّل في المشهدين العربي الرسمي والشعبي، لا تخدم استراتيجية العنف المُعتمدة.
تُحضِّر أميركا لحملة عسكرية وأمنية، تستهدف ضرب مركز القيادة والسيطرة في طهران، وتفتح الباب أمام فوضى داخلية تُسهِّل التمرّد المسلّح بهدف إطلاق عملية إسقاط النظام
ومع ذلك، يبقى أن هناك مركزاً لقوى المقاومة لا بدّ من تدميره قبل البحث عن الحصاد في الساحات الأخرى. ومن هنا، تقوم فكرة الهجوم الكبير على إيران على اعتبار أن جولة الأيام الـ 12 لم تكن كافية لدفعها إلى موقع سياسي مختلف، وأن بقاء قدر من العافية داخل إيران يوفّر لقوى المقاومة هامشاً أوسع للعمل والاستعداد لجولات المواجهة المقبلة. وعليه، يصل ترامب، منسجماً مع القناعة الإسرائيلية، إلى خلاصة مفادها أن المطلوب هو «قطع الرأس»، أي ضرب النظام في إيران، ليصبح بعدها كل شيء أسهل في كل أنحاء المنطقة.
بهذا المعنى، يمكن فهم الاستراتيجية الأميركية الجديدة. غير أن هدف إسقاط النظام يتطلّب عناصر كثيرة لا تُختصر بحملة عسكرية تقليدية. وإذا كان ترامب يعتقد أن حملة جوية مصحوبة بقوة نارية هائلة كفيلة بتغيير نظام الحكم في إيران، فإن جنرالاته نبّهوه مبكراً إلى عدم نجاعة هذا الخيار. وهو تقييم يؤيّده الإسرائيليون الذين يرون أن أي حملة عسكرية لا بد أن تجد من يلاقيها في منتصف الطريق. والمقصود بذلك، أن يخرج من داخل إيران من يطالب بالانقلاب على النظام، سواء من قوى في داخله أو من خصومه، وعندها فقط يمكن للحرب أن تحقّق فائدة أكيدة. ومن هنا، كان على ترامب أن يخاطب الإيرانيين بصوت مرتفع: اخرجوا إلى الشوارع وهاجموا الحكم في إيران، ونحن في طريقنا إلى تقديم العون لكم.
لا تبدو الصورة ضبابية حيال ما يمكن أن تُقدِم عليه الولايات المتحدة ضد إيران. وكل الحديث عن «مفاجآت» عسكرية أو أمنية لا يُغيِّر من حقيقة أن العملية تهدف أساساً إلى إضعاف مركز القرار في إيران، وجعل السلطة عاجزة عن إدارة الأمور على الأرض، بما يفتح الباب أمام تمرّد واسع يسمح بتدخّل من نوع مختلف.
وبهذا المعنى، فإن الأهداف المركزية لأي حملة عسكرية أو أمنية أميركية – إسرائيلية ستتركّز على استهداف مركز القرار الإيراني نفسه. ما يعني أن سيناريو اغتيال المرشد علي خامنئي مُدرَج كبند أول، إلى جانب تكرار المحاولة الفاشلة لاغتيال أعضاء مجلس الأمن القومي في حرب حزيران، وصولاً إلى توجيه ضربات قاسية وواسعة إلى مراكز الشرطة والأمن الداخلي بهدف خلق حالة من الفوضى الشاملة، من دون إغفال لجوء الأميركيين إلى شنّ غارات على مواقع ومراكز عسكرية.
ومع ذلك، فإن الهدف الرئيسي المتمثّل في استسلام النظام أو تغييره يحتاج إلى عنصر محلّي من نوع مختلف. وهذا العنصر لا يمكن أن يكون مجرّد تجمّعات لعشرات المواطنين، ستكون حركتهم شديدة الصعوبة في ظلّ حالة طوارئ شاملة. ما يعني أن الهدف الأولي لأي عدوان هو إدخال إيران في حالة فوضى وعنف مسلّح واسع الانتشار. وهنا، ترى إسرائيل أن بمقدورها الدفع في هذا الاتجاه وإدارة هذه الفوضى أمنياً واستخباراتياً، فيما قد تجد مجموعات انفصالية نفسها أمام فرصة استثنائية للتحرك.
كل ما سبق لا يعدو كونه تمريناً على ما يمكن الإقدام عليه، لكنّ السؤال الجوهري يبقى، أولاً وأخيراً، ليس حول قدرة إيران على الصمود السياسي، بل حول طبيعة ردّ فعلها العسكري والأمني ضد الأميركيين والإسرائيليين وحلفائهم في المنطقة. ويُضاف إلى ذلك سؤال لا يقلّ أهمية عن ردّة فعل الشارع الإيراني عموماً، وأنصار النظام خصوصاً، إزاء أي تمرّد أو محاولة انقلابية يقودها إيرانيون من الداخل.
هي ساعات أو أيام قليلة كفيلة بتقديم الإجابة، ما لم يحدث ما ليس في الحسبان.


