رأي

الملف النووي بين إيران و”إسرائيل”: معايير مزدوجة لمعادلة لا أخلاقية (وائل أبو الحسن)

 

وائل فايز أبو الحسن* – الحوارنيوز- المكسيك

 

في زمن التحولات المتسارعة، يبقى نووي إسرائيل الاستثناء الذي يمنع الاستقرار ويُطلق سباق الردع في الشرق الأوسط.

 

منذ عقود، يُقدَّم الشرق الأوسط كمنطقة مهدَّدة بالانفجار، وتُرفع راية منع الانتشار النووي كلما أرادت القوى الكبرى الضغط على دولة، أو ضبط سلوك نظام، أو إعادة رسم توازنات الإقليم. لكن مع تسارع التطورات اليوم، وتبدّل التحالفات، وتصاعد التوترات، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. كيف يمكن الحديث عن أمن إقليمي جديد، بينما يبقى السلاح النووي الإسرائيلي خارج أي مساءلة؟ وكيف يمكن فرض معايير صارمة على دول المنطقة، بينما يُترك مفاعل ديمونا خارج التفتيش وخارج القانون؟

إن المشكلة ليست في المبدأ، لأن منع انتشار السلاح النووي هدف منطقي لأي إنسان يريد تجنيب الشعوب الكوارث. المشكلة في الانتقائية. لأن السلاح النووي الوحيد غير الخاضع لأي رقابة فعلية في الشرق الأوسط هو السلاح النووي الإسرائيلي. وهذا ليس تفصيلاً ثانوياً، بل أصل الخلل الاستراتيجي الذي يمنع قيام أي نظام أمني متوازن في المنطقة.

السؤال البديهي الذي يتجاهله المجتمع الدولي عمداً هو الآتي: كيف يمكن بناء شرق أوسط مستقر، بينما دولة واحدة تحتكر الردع النووي وتبقى خارج كل الالتزامات؟ وكيف يمكن مطالبة دول أخرى بالشفافية والتفتيش، بينما تُعطى إسرائيل حصانة مطلقة؟ وهل منع الانتشار معيار عالمي فعلاً، أم أنه أداة سياسية تُستخدم ضد الخصوم فقط؟

الجواب ليس تقنياً ولا قانونياً، بل سياسي بامتياز. لأن النظام الدولي لا يتعامل مع الملف النووي كمسألة أخلاقية أو أمنية مجردة، بل كأداة لإدارة النفوذ وترتيب موازين القوى. ولهذا السبب، تُعامل إسرائيل كاستثناء دائم، بينما تُعامل دول أخرى كخطر دائم، حتى عندما تكون الفوارق بين البرامج والقدرات والالتزامات واضحة.

إسرائيل ليست طرفاً في معاهدة عدم الانتشار النووي، وهذه ليست صدفة. إنها سياسة محسوبة. فخروجها من المعاهدة يعني أنها غير ملزمة بتقديم تقارير، وغير ملزمة بفتح منشآتها للتفتيش، وغير ملزمة حتى بالاعتراف الرسمي بامتلاك السلاح النووي. وهنا تدخل في ما يسمى سياسة الغموض النووي، أي لا تعترف ولا تنفي. لكن السؤال الحقيقي هو. لماذا يُسمح لها بهذه المعادلة؟ ولماذا يُطلب من الآخرين ما لا يُطلب منها؟

أما مفاعل ديمونا، فهو جوهر هذه القضية، لأنه يمثل برنامجاً نووياً عسكرياً خارج الرقابة، وخارج أي إطار دولي، وخارج أي معيار موحّد. ومع ذلك لا نرى عقوبات، ولا نرى لجان تفتيش، ولا نرى قرارات مجلس أمن صارمة، ولا نرى حصاراً اقتصادياً، ولا نرى تهديداً عسكرياً، ولا نرى حتى نقاشاً دولياً جدياً يوازي حجم الحملات التي تُشن على دول أخرى. فكيف يمكن تفسير ذلك؟ وهل المشكلة في النووي، أم في هوية من يملكه؟

إن منطق الردع في العلاقات الدولية معروف. عندما تحتكر دولة واحدة السلاح النووي في منطقة مضطربة، فهي لا تصنع السلام، بل تفتح الباب أمام سباق تسلح وردع. لأنها تُرسل رسالة واضحة لباقي الدول مفادها أن القوة النهائية موجودة لدى طرف واحد، وأن القانون لا يحمي الضعيف، وأن التوازن لا يتحقق إلا بالقدرة. وهذا بالضبط ما يغذي النزعات النووية في المنطقة، سواء كانت نزعات فعلية، أو كامنة، أو دفاعية. فمن الذي يخلق بيئة الانتشار؟ ومن الذي يفتح الباب أمام سباق الردع؟ أليس الاستثناء نفسه؟

وبالتالي، فإن استمرار التغاضي عن النووي الإسرائيلي ليس سياسة لمنع الانتشار، بل سياسة لتكريس الانتشار بشكل غير مباشر. لأن من يريد فعلاً منع انتشار السلاح النووي يجب أن يبدأ من المصدر الوحيد المؤكد، لا من الاحتمالات والاتهامات والشكوك. وإلا يصبح منع الانتشار مجرد عنوان سياسي بلا مضمون.

ثم إن الخطاب الغربي الذي يطالب دول المنطقة بالشفافية والتعاون والتفتيش، هو خطاب ناقص أخلاقياً ومكسور منطقياً طالما أنه يستثني إسرائيل. فكيف يمكن لدولة عربية أو إسلامية أو إقليمية أن تقبل بمنطق يطلب منها التنازل عن أدوات الردع، بينما يُسمح لدولة أخرى بالاحتفاظ بأداة الردع القصوى بلا قيود؟ وكيف يمكن إقناع الشعوب بأن الهدف هو السلام، بينما ميزان القوة مبني على احتكار السلاح الأكثر تدميراً في التاريخ؟

إن المعادلة العادلة ليست معادلة شعاراتية، بل معادلة أمنية واقعية. نووي إسرائيل مقابل نووي دول المنطقة. أي أن تُطرح المسألة بصيغة واحدة واضحة. إما أن يخضع الجميع للمعايير ذاتها، أو يسقط الادعاء بأن هناك معايير. إما أن تُفرض الرقابة على الجميع، أو يصبح الحديث عن منع الانتشار مجرد أداة سياسية. وإما أن تُطرح فكرة شرق أوسط خالٍ من السلاح النووي بجدية على الجميع، أو يبقى الشرق الأوسط رهينة اختلال دائم لا ينتج إلا الأزمات.

والأهم أن هذه المعادلة ليست دعوة للحرب ولا دعوة للتصعيد. بل هي دعوة لتصحيح الخلل الذي يمنع أي سلام حقيقي. لأن السلام لا يُبنى على احتكار القوة، ولا على إذلال الآخرين، ولا على جعل طرف واحد فوق القانون. السلام يُبنى على توازن، وعلى ضمانات متبادلة، وعلى نظام أمني إقليمي لا يقوم على الاستثناءات، ولا ينجح دون إعادة الحقوق إلى أصحابها، وترسيخ العدل، واعتماد مبدأ الأرض مقابل السلام.

إن طرح ملف ديمونا خطوة ضرورية لوقف الابتزاز السياسي الذي يُمارَس باسم الأمن الدولي. وهو أيضاً خطوة ضرورية لمنع تكرار الأزمات. لأن المنطقة لن تهدأ طالما هناك سلاح نووي خارج الرقابة، وطالما هناك طرف يتمتع بحصانة استراتيجية مطلقة.

والحقيقة التي لا يريد كثيرون قولها هي أن إسرائيل لا تُترك خارج المساءلة لأنها تملك حججاً أقوى، بل لأنها تملك حماية أقوى. وهذه الحماية هي جوهر المشكلة. لأن الأمن الدولي لا يمكن أن يكون أمن حلفاء فقط، ولا يمكن أن يكون قانوناً على الضعفاء فقط.

في زمن التحولات المتسارعة، لا يمكن بناء شرق أوسط جديد على قاعدة قديمة. ولا يمكن الحديث عن الاستقرار بينما يبقى الاستثناء النووي الإسرائيلي ثابتاً. ولا يمكن لأي نظام دولي أن يطالب الآخرين بالالتزام، وهو نفسه يشرعن الاستثناء. فإما أن يكون القانون واحداً على الجميع، وإما أن يبقى الشرق الأوسط ساحة مفتوحة على التوتر، وسباق الردع، والانفجار في أي لحظة.

هذه ليست مشكلة تقنية، بل مشكلة عدالة. وليست مشكلة شرق أوسط فقط، بل مشكلة مصداقية العالم كله.

*قانوني، مغترب مقيم في المكسيك

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى