المدارس اللبنانية بين الإهمال والسياسة: هل نضيع أجيالنا؟ (زينب إسماعيل)

كتبت زينب إسماعيل – الحوارنيوز
تاريخ تعليمي عريق تحت الانهيار..
لبنان، الذي كان يُفاخر دومًا بتاريخ تعليمي عريق، امتلك منظومة واضحة المعالم: الشهادة الابتدائية، ثم المرحلة المتوسطة، وصولًا إلى الباكالوريا، حيث يختار الطالب فرعه بين الاقتصاد أو العلوم أو الأدب. لم تكن هذه الشهادات مجرد أوراق، بل رموزًا للجدية، مؤشرات على التقدم، وأسسًا لبناء أجيال قادرة على التفكير والتحليل والمساهمة في المجتمع.
اليوم، هذا التاريخ الجميل ينهار أمام أعيننا. الشهادات القديمة تُلغى واحدة تلو الأخرى، بحيث تأتي القرارات حول الغاء الشهادة المتوسطة، والقطاع العام أصبح مريضًا: دوام منخفض، أعطال مدرسية متكررة، وإضرابات للأساتذة الذين لا يتقاضون رواتبهم، أحيانًا لسنوات. والطلاب هم من يدفع الثمن، جيلًا بعد جيل، بلا أي حماية من الدولة أو مؤسساتها.

المدرسة الرسمية.. العمود الفقري المهمل..
أكثر ما يثير الغضب هو إهمال المدرسة الرسمية، التي تمثل العمود الفقري للتعليم الوطني. غالبية المدارس الرسمية تعاني من قدم المباني، نقص المعدات، الصفوف المكتظة، وبيئة تعليمية غير صالحة لتنشئة جيل قادر على مواجهة تحديات العصر.
المعلمون، على الرغم من إخلاصهم، يعملون في ظروف صعبة بلا تقدير أو حماية، والنتيجة هي جودة تعليم متدنية ومستقبل ضبابي للأطفال الذين يعتمد عليهم لبنان في غدٍ مشرق.
المدارس الخاصة.. أداة للولاءات السياسية
في المقابل، تُغدق الموارد على المدارس الخاصة، التابعة في معظمها لرجال السلطة والأحزاب الحاكمة. هذه المدارس تتحكم في المناهج بما يخدم الولاءات الطائفية والسياسية أكثر من خدمة العلم أو بناء المواطن الواعي.
الطلاب هنا لا يتعلمون العلم فحسب، بل الانقسامات والولاءات منذ الصغر، لتصبح المدارس أداة للسيطرة على العقول بدل أن تكون منارة للمعرفة. الاستثمار في القطاع الخاص أصبح أداة استراتيجية، بينما تُهمل المدرسة العامة، رمز الوطنية والمساواة، ويُترك جيل كامل بلا فرصة حقيقية.
التعليم يتحول إلى سلعة
النتيجة واضحة: الفرص تتوزع حسب المال والانتماء أكثر من الكفاءة أو الاستحقاق. التعليم الرسمي يُهمل، بينما المدارس الخاصة تعزز النفوذ السياسي، وتغرس الولاءات الطائفية، فتتجه الأجيال نحو الانقسامات بدل الانتماء لوطنهم.
جيل كامل يُسلب منه حقه في التعليم الجيد، يكبر على الفراغ المعرفي، ويتحمل عبء الفساد والشللية قبل أن يبدأ مسيرته المهنية. جيل قد يصبح أداة في أيدي السياسة والفوضى، بلا أساس معرفي متين، بلا فرص متساوية، بلا أمل في مستقبل مشرق.
صرخة قبل فوات الأوان
الحديث عن “إصلاحات” غالبًا ما يختلط مع الواقع، لكنه يبقى تغييرات شكلية لا تعالج أصل المشكلة، ولا تحمي الطلاب، ولا تعيد الثقة بالمؤسسات التعليمية الوطنية. كل يوم يمر دون إصلاح حقيقي يقربنا أكثر من واقع مرير: أجيال بلا علم، مجتمع بلا تفكير نقدي، وطن بلا أمل.
التعليم اليوم لم يعد مجرد مكان لتلقي المعرفة، بل أصبح مرآة المجتمع وأداة لقياس أولوياته. الاهتمام بالمظهر التجاري للمدارس الخاصة مقابل إهمال المدرسة الرسمية، يوضح أن الدولة اختارت خدمة مصالح فئة على حساب مستقبل الوطن.
إعادة بناء المدرسة الوطنية
لبنان لا يحتاج إلى سياسات ترقيعية أو تغييرات شكلية، بل إلى إعادة بناء حقيقية للمدرسة الوطنية:
تقدير للأساتذة، وإعطاؤهم حماية ورواتب عادلة.
استثمار بالأبنية والمعدات الحديثة.
مناهج تربي المواطن الواعي بدل الولاءات السياسية.
لأن مستقبل لبنان ليس مجرد شهادات، بل أجيال تمتلك العلم والحرية والقدرة على التفكير والمواجهة. الأجيال اليوم تنتظرنا، وستحاسبنا على ما نتركه لهم من معرفة، أو على الفراغ الذي نتركه لهم في كل زاوية من مدارسنا.



