رأي

العيش تحت الركام: لبنان بين اتفاقات معلّقة وسيادة منقوصة (زينب إسماعيل)

 

 

كتبت زينب اسماعيل – الحوارنيوز

لا يعيش اللبنانيون اليوم في مرحلة ما بعد الحرب، بل في مرحلة ما بعد الكذب عليها. فبين اتفاقات تُعلن، وانتشارات عسكرية تُصوَّر، وبيانات رسمية تُطمئن، تُستباح الأرض والسماء بلا أي اعتبار لأمن الناس أو حياتهم. ما يجري في الجنوب والبقاع ليس خرقًا عابرًا ولا تفلتًا ميدانيًا، بل واقع دائم تُديره دولة قررت أن تكون شاهدة على معاناة مواطنيها لا مسؤولة عنها.

 

في هذا المشهد، لا يبدو الخوف طارئًا، بل سياسة غير معلنة، ولا يظهر الركام النفسي نتيجة الحرب وحدها، بل ثمرة مباشرة لعجز الدولة، أو تواطئها، عن حماية شعبها، واختيارها الالتزام بالإرادات الخارجية على حساب أبسط حقوق اللبنانيين في الأمان والعودة والحياة.

 

كيف يمكن لإنسان أن يبني يومه، أو يخطط لغده، وهو يعيش تحت ركام نفسي لا يهدأ؟ هذا السؤال لم يعد فلسفيًا أو أدبيًا في الحالة اللبنانية، بل أصبح توصيفًا واقعيًا لحالة جماعية خانقة يعيشها اللبنانيون يوميًا، وخصوصًا أبناء الجنوب والبقاع. نحن لا نعيش فقط تحت تهديد القصف، بل تحت وطأة القلق الدائم، والتوتر المستمر، والشعور بأن حياتنا معلّقة على قرارات لا نشارك في صنعها، ولا نُؤخذ بعين الاعتبار عند اتخاذها.

 

من المفترض أن الاتفاق الذي جرى لوقف الحرب على لبنان كان مشروطًا بانتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وهو ما أُعلن رسميًا أنه تحقق، حيث أكد الجيش سيطرته على كامل الجنوب. لكن الواقع اليوم يناقض هذه الرواية بشكل فاضح. فالسماء اللبنانية ما زالت مستباحة، والطائرات الإسرائيلية تسرح وتمرح بلا أي رادع، والتوغلات البرية تتكرر، والمنازل تُنسف، والشباب يُستهدفون بشكل مباشر، فيما الغارات الجوية لا تزال تطال الجنوب والبقاع وبعلبك حتى هذه اللحظة.

 

هذا التناقض الصارخ بين ما يُعلن رسميًا وما يُعاش فعليًا هو أحد أخطر أشكال العنف غير المباشر. فالحرب حين تكون واضحة المعالم تُواجَه، أما حين تُدار في الظل، وتُغلّف باتفاقات هشة وبيانات مطمئنة، فإنها تتحول إلى استنزاف نفسي طويل الأمد، يُنهك الناس ويكسر قدرتهم على الاحتمال والفعل، ويزرع الخوف في تفاصيل الحياة اليومية.

 

هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: أين الدولة اللبنانية من كل ما يحدث؟ أليس من واجب الدولة، بعد أي اتفاق يُفترض أنه أوقف الحرب، أن تضمن عودة أبناء الجنوب إلى منازلهم وأراضيهم وأرزاقهم، إن بقي منها شيء؟ أم أن الدولة اكتفت بدور المراقب، وتركت مصير الناس رهينة الخروقات اليومية والاعتداءات المتكررة؟ العودة اليوم لم تعد حقًا طبيعيًا، بل مغامرة فردية محفوفة بالمخاطر، يتحمّل المواطن وحده نتائجها، من دون أي ضمانات حقيقية أو حماية فعلية.

 

الجيش اللبناني، رغم حضوره وانتشاره، يبدو محاصرًا بسقف سياسي وعسكري واضح، لا يسمح له بأن يتحول إلى قوة ردع قادرة على حماية الأرض والناس. هو موجود كرمز للسيادة، لا كأداة مكتملة لممارستها. أما الدولة اللبنانية، فتظهر في هذا المشهد وكأنها تنفذ سياسات مفروضة عليها، أكثر مما تصوغ سياسة وطنية نابعة من مصلحة مواطنيها.

 

كثيرون يرون أن الدولة اللبنانية تتعامل مع هذا الملف من موقع التابع، لا الشريك، وكأن همّها الأساسي هو الالتزام بالإملاءات الأميركية والدولية، وتقديم أوراق الاعتماد السياسية، ولو كان الثمن هو أمن اللبنانيين وكرامتهم واستقرارهم النفسي. تُدار السيادة هنا كملف تفاوضي، لا كحق أساسي، ويُختزل الوطن في توازنات خارجية، فيما يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة الخوف، والقلق، وانعدام الأمان.

 

أما الشعب اللبناني، الذي يُتَّهم بالصمت والرضوخ، فهو في الحقيقة شعب مُنهك. سنوات من الانهيار الاقتصادي، والفساد، والحروب المتكررة، والانقسامات الحادة، صنعت تعبًا جماعيًا عميقًا. لكن هذا الإرهاق لا يمكن أن يبقى ذريعة تُستخدم لتبرئة السلطة من مسؤولياتها، ولا مبررًا لاستمرار الحكم من دون محاسبة.

 

إن أخطر ما في المشهد الحالي هو غياب أي مساءلة سياسية حقيقية. فلا الحكومة تُسأل عن عجزها، ولا مجلس النواب يتحمّل مسؤوليته في الرقابة، ولا يُفتح نقاش جدي حول معنى السيادة وحدودها ومن يدفع ثمن التفريط بها. تُدار البلاد وكأنها خارج الزمن، أو كأن أهلها فائضون عن الحاجة، فيما تُقدَّم الطمأنات للخارج على حساب القلق المتصاعد في الداخل.

 

هذا الفراغ في القرار الوطني لا ينتج فقط خوفًا، بل يرسّخ شعورًا عامًا بأن الدولة لم تعد تمثل مواطنيها، بل مصالح طبقة سياسية اعتادت النجاة الفردية، ولو على أنقاض وطن بأكمله. وفي ظل هذا الواقع، يتحوّل الصمت الشعبي من حالة إنهاك إلى خطر حقيقي، لأن الاستمرار في غياب الضغط والمساءلة يعني تكريس هذا المسار، ودفع البلاد أكثر نحو التفكك وفقدان المعنى.

 

كثيرون لم يعودوا يصرخون، ليس لأنهم راضون، بل لأنهم فقدوا الثقة بأن الصوت يُسمَع، وبأن الاعتراض يُترجم إلى تغيير فعلي.

 

نحن لا نعيش وسط هذا الركام النفسي لأننا اخترنا ذلك، بل لأننا لم نُمنح خيارًا آخر. نعيش لأن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تقاوم فينا، ولأن تسمية الألم، وكتابته، وفضح هذا التناقض بين الدولة ومواطنيها، هو بحد ذاته فعل مقاومة.

 

لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى اتفاقات تُوقَّع، ولا إلى بيانات تُقرأ على وقع الخروقات اليومية، بل إلى دولة تتوقف عن إدارة الظهر لمواطنيها، وتكفّ عن لعب دور المنفّذ الصامت لإرادات الخارج. ما نعيشه ليس عجزًا تقنيًا ولا ضعفًا ظرفيًا، بل خيار سياسي واضح يقوم على تقديم الطاعة الدبلوماسية على حساب الأمن الوطني، وتغليب رضا الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على حق اللبنانيين في الحماية والحياة.

 

الدولة اللبنانية، بصيغتها الحالية، تبدو وكأنها قبلت لنفسها موقع المتفرّج، تكتفي بتسجيل الاعتراضات اللفظية، فيما يُترك الجنوب والبقاع ساحة مفتوحة للاعتداءات. لا مساءلة، لا محاسبة، ولا حتى اعتراف صريح بحجم المأساة التي يعيشها الناس. السيادة هنا تُختزل في انتشار شكلي، وفي بيانات تؤكد الالتزام، بينما تُفرَّغ من مضمونها الحقيقي: حماية الأرض والناس.

 

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط العدوان المستمر، بل تطبيع الدولة مع هذا الواقع، وكأن استباحة السماء والحدود باتت أمرًا اعتياديًا، وكأن الخوف الدائم أصبح قدرًا يجب على اللبناني أن يتعايش معه بصمت. هذه ليست دولة عاجزة فحسب، بل دولة تتخلى تدريجيًا عن دورها الأساسي، وتترك مواطنيها وحيدين في مواجهة آلة عسكرية لا رادع لها.

 

لبنان لا يُدار اليوم كدولة ذات سيادة، بل كملف أمني تفاوضي، يُستخدم لتبادل الرسائل بين القوى الكبرى، فيما تُهمَّش حياة الناس ومعاناتهم اليومية. وهذا ما يجعل الركام النفسي الذي نعيشه أخطر من الدمار المادي نفسه، لأنه يضرب الثقة، ويكسر الإحساس بالانتماء، ويحوّل المواطن إلى رقم بلا قيمة في معادلات لا تشبهه.

 

إن استمرار هذا النهج يعني شيئًا واحدًا: المزيد من الخوف، والمزيد من النزوح الداخلي، والمزيد من الانهيار الاجتماعي. فالأوطان لا تُقاس بعدد البيانات ولا بحجم التنسيق الدولي، بل بقدرتها على قول لا حين تُستباح، وعلى حماية أبنائها لا التضحية بهم. وأي دولة تعجز عن ذلك، أو ترفضه، تفقد جوهر وجودها، مهما رفعت من شعارات السيادة والاستقرار.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى