
الحوارنيوز – تقرير خاص
يشكل الصوت العربي أحد العناصر الأساسية في المعادلة الانتخابية الإسرائيلية، ليس بسبب حجمه الديمغرافي فحسب، بل أيضا بسبب موقعه في الحسابات المعقدة لتشكيل الحكومة. ففي انتخابات تتقارب فيها أوزان المعسكرات المتنافسة، يمكن لمشاركة الناخبين العرب ونسبة تصويتهم للأحزاب العربية أن تؤثرا في توزيع المقاعد وفي قدرة أي معسكر على الوصول إلى عتبة الـ61 مقعدا اللازمة لنيل ثقة الكنيست.
لكن المفارقة الأساسية تكمن في أن الصوت العربي قد يكون مؤثرا في تحديد هوية الحكومة، فيما تبقى مشاركة الأحزاب العربية في هذه الحكومة موضع خلاف سياسي واسع.

حجم الصوت العربي
السكان العرب نحو 21%من سكان الكيان
الناخبون العرب1.159 مليون أينحو 18% من المقيمين أصحاب حق الاقتراع.
وتشير البيانات المنشورة عشية الانتخابات إلى وجود نحو 1.159 مليون ناخب عربي من أصل قرابة 6.5 ملايين ناخب مقيم داخل إسرائيل. أما مجموع السكان العرب، بمن فيهم أشخاص لا يحملون الجنسية الإسرائيلية، فيتجاوز مليوني نسمة.
وهنا لا بد من التمييز بين ثلاثة أرقام مختلفة:
- السكان العرب: يشملون المواطنين وغير المواطنين، بحسب التعريف الإحصائي المعتمد.
- الناخبون العرب: المواطنون المدرجون في سجل الاقتراع، ومن بينهم المسلمون والمسيحيون العرب والدروز.
- الأصوات العربية الفعلية: عدد الذين يدلون بأصواتهم يوم الانتخابات، وهو أقل من عدد المسجلين ويتغير من دورة إلى أخرى.
لذلك لا تتحول نسبة العرب من السكان تلقائيا إلى النسبة نفسها من الأصوات أو المقاعد البرلمانية.
توزع الناخبين العرب جغرافيا
لا يتوزع الصوت العربي بصورة متساوية على الخريطة الإسرائيلية، بل يتمركز في مناطق وبلدات ذات خصوصيات اجتماعية وسياسية مختلفة. ويمكن تقسيم خريطته إلى خمس مناطق أساسية:
- الجليل والشمال
يضم مدنا وبلدات عربية بارزة، في مقدمتها الناصرة وسخنين وعرابة وشفاعمرو، إلى جانب بلدات الجليل الأعلى والغربي. وتعد الناصرة مركزا سياسيا وإعلاميا مهما للناخبين العرب، فيما تتنوع اتجاهات التصويت في الجليل بين الأحزاب العربية والقوى اليهودية.
- منطقة المثلث
تشمل بلدات مثل أم الفحم وباقة الغربية وقلنسوة والطيبة والطيرة وكفر قاسم. وتتميز بكثافة سكانية عربية وبحضور سياسي واجتماعي واضح، وتشكل ساحة مهمة للتنافس بين الأحزاب العربية، ولا سيما في قضايا الجريمة والأمن الشخصي والخدمات والتمييز في توزيع الموارد.
- النقب والبلدات البدوية
يبرز تجمع والبلدات البدوية في جنوب الكيان، بما فيها القرى غير المعترف بها. ويتركز الاهتمام هنا على الاعتراف بالقرى، والأرض والتخطيط والبناء، والبنى التحتية والخدمات. وقد يؤثر مستوى المشاركة في هذه المنطقة في عدد المقاعد التي تحصل عليها القوائم العربية.
- المدن المختلطة
تشمل حيفا ويافا واللد والرملة وعكا. ويعيش فيها العرب ضمن بيئات مدينية مختلطة، وتختلف أنماط التصويت فيها عن البلدات ذات الغالبية العربية، بفعل التداخل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي مع المجتمع اليهودي.
- البلدات الدرزية
تنتشر بصورة أساسية في الجليل والكرمل، فضلا عن بلدات درزية في الجولان. ويختلف السلوك الانتخابي لدى قطاعات من الناخبين الدروز عن الاتجاه الغالب في البلدات العربية الأخرى، إذ توجد تقاليد تصويت ملحوظة لأحزاب يهودية إلى جانب اتجاهات عربية ودرزية مستقلة.
وتؤكد دراسة مركز موشيه ديان في جامعة تل أبيب عن انتخابات 2019 أن المشاركة والتصويت يختلفان بحسب المنطقة والانتماء الاجتماعي والديني، وأن المدن المختلطة لا تتصرف انتخابيا ككتلة واحدة. وهذه بيانات تاريخية مفيدة لفهم الخريطة، لكنها لا تمثل نتائج انتخابات 2026.
الأحزاب العربية الأساسية
يتوزع التمثيل السياسي العربي على قائمتين رئيسيتين في هذه الانتخابات، وفق التغطيات المنشورة قبيل الاقتراع: القائمة العربية الموحدة، والقائمة المشتركة التي تضم ثلاثة أحزاب. وقد أعادت المحكمة العليا السماح للقائمتين بخوض الانتخابات بعد قرار سابق للجنة الانتخابات المركزية باستبعادهما.
- القائمة العربية الموحدة «رَعَم»
رئيسها: منصور عباس وتتبنى نهجا براغماتيا يركز على تحسين أوضاع المواطنين العرب، ومكافحة الجريمة، وتطوير الخدمات والبلدات العربية، وتسعى إلى تحويل التمثيل البرلماني إلى نفوذ تفاوضي يمكن أن يتيح لها التأثير في تشكيل الحكومة. وقد شاركت رسميا في الائتلاف الحكومي عام 2021، في سابقة للأحزاب العربية بهذا الشكل.
- القائمة المشتركة
ائتلاف يضم الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة العربية للتغيير، والتجمع الوطني الديمقراطي،وتضم ثلاثة مكونات سياسية مختلفة، تجمعها قضايا التمثيل العربي والمساواة والحقوق القومية والمدنية، مع اختلافات في المواقف الأيديولوجية وفي العلاقة مع الأحزاب الصهيونية وإمكانية دعم حكومة يقودها حزب يهودي.
وتبرز داخل القائمة المشتركة ثلاثة أحزاب:
- الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة «حداش»: ذات جذور يسارية وشيوعية، وتطرح قضايا المساواة المدنية والشراكة العربية اليهودية والسلام.
- الحركة العربية للتغيير «تعال»: يرتبط حضورها السياسي بالنائب أحمد الطيبي، وتركز على الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين العرب وتمثيلهم البرلماني.
- التجمع الوطني الديمقراطي «بلد»: يركز على الهوية القومية الفلسطينية للمواطنين العرب، ومكانتهم كأقلية قومية، وعلى الحقوق الجماعية والمساواة.
وتجدر الإشارة إلى أن القائمة المشتركة ليست حزبا موحدا من الناحية التنظيمية، بل تحالف انتخابي بين أحزاب تحتفظ بهوياتها وتبايناتها السياسية.
تأثير الصوت العربي
تكتسب انتخابات 27 تشرين الأول 2026 أهمية خاصة لأن استطلاعات الرأي المنشورة قبل الاقتراع تشير إلى تقارب المعسكرات وصعوبة حصول أي منها على أغلبية واضحة.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز نشر في 19 تشرين الأول، أظهر أحد التقديرات الاستطلاعية 52 مقعدا للمعسكر الذي يقوده غادي آيزنكوت، مقابل 50 مقعدا لمعسكر بنيامين نتنياهو. وهذه أرقام استطلاعية وليست نتائج انتخابية نهائية، كما أن المقاعد المتبقية تجعل الحسابات قابلة للتغير.
ثلاثة أوجه للتأثير العربي
- التأثير في عدد المقاعد
ارتفاع المشاركة العربية يمكن أن يزيد حصة القوائم العربية من المقاعد، شرط أن تتجاوز القوائم العتبة الانتخابية. أما المقاطعة أو انخفاض الإقبال فيمكن أن يقلصا التمثيل.
- التأثير في تشكيل الحكومة
إذا لم يحصل أي معسكر على 61 مقعدا، فقد يصبح دعم الأحزاب العربية من خارج الحكومة أو الاتفاق معها على ترتيبات برلمانية عاملا مهما في منح حكومة جديدة القدرة على البقاء.
- التأثير في جدول الأعمال السياسي
يمكن للتمثيل العربي أن يرفع قضايا الجريمة والأمن الشخصي والميزانيات المحلية والمساواة وحقوق الفلسطينيين إلى صلب المفاوضات السياسية، بصرف النظر عن المشاركة الوزارية.
ويبقىالسؤال: لماذا لا يتحول الوزن الانتخابي العربي تلقائيا إلى سلطة حكومية؟
ثمة عقبات سياسية متراكمة:
- الرفض أو التحفظ على الشراكة: تعترض قوى يهودية، بما فيها أحزاب من معسكر المعارضة، على دخول الأحزاب العربية في ائتلاف حكومي، لأسباب أيديولوجية وأمنية.
- الاختلاف داخل الساحة العربية: تختلف الأحزاب العربية في كيفية التعامل مع الحكومة المقبلة؛ فالقائمة الموحدة أكثر انفتاحا على التفاوض من أجل المشاركة المباشرة، فيما يطرح قادة في القائمة المشتركة إمكانية دعم حكومة من الخارج وفق شروط محددة.
- أزمة الثقة والمشاركة: يؤدي الإحباط من استمرار الجريمة والتمييز وتراجع الثقة بقدرة الكنيست على إحداث تغيير إلى عزوف بعض الناخبين عن الاقتراع.
- العتبة الانتخابية: تبلغ العتبة 25% من الأصوات الصحيحة، ما يجعل تشتت الأصوات أو إخفاق قائمة في تجاوزها مسألة مؤثرة في توزيع المقاعد.
وقد أظهرت تجربة انتخابات 2021 أن حزبا عربيا يمكن أن يصبح شريكا رسميا في ائتلاف حكومي، لكن تلك التجربة لا تعني أن تكرارها في 2026 أمر مضمون.
الخلاصة
الصوت العربي في الانتخابات الإسرائيلية ليس كتلة سياسية متجانسة، لكنه يمثل قاعدة انتخابية كبيرة يمكن أن يكون لها وزن حاسم عندما تتقارب المعسكرات اليهودية المتنافسة. وتتحدد قوته الفعلية بثلاثة عوامل مترابطة: نسبة المشاركة، ومدى تماسك القوائم العربية، وقدرتها على تحويل المقاعد إلى نفوذ برلماني تفاوضي.
والسؤال المركزي في انتخابات 2026 هو ما إذا كان هذا الوزن سيترجم إلى مشاركة فعلية في الحكم أو إلى تأثير من خارجه، أم أن الخلافات السياسية داخل إسرائيل ستحد من قدرته على تغيير المعادلة الحكومية. ولا يمكن حسم ذلك قبل صدور النتائج الرسمية وبدء المفاوضات الائتلافية.



