رأي

الزهور تُدفن في اليمن ..مرة أخرى؟ (أحمد حوماني)

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

يروي وجيه أبو ذكري الكاتب والصحفي المصري في كتابه “الزهور تدفن في اليمن” قصة مشاركة مصر في الحرب في اليمن في ستينات القرن الماضي ضد الحكم الملكي آنذاك، ويذكر أن مصر فقدت في تلك الحرب عشرين ألف جندي، وعانى الجيش المصري من الويلات والجوع والعطش، إضافة إلى حرب عصابات أنهكته وأدت في النهاية إلى تراجع الرئيس المصري جمال عبد الناصر وصياغة اتفاق مع الملك السعودي فيصل لإنهاء الصراع في اليمن.

وكتب المؤرخ الصهيوني ميخائيل أورين أن “مغامرة” مصر العسكرية في اليمن كانت كارثة، لدرجة أنه “يمكن مقارنتها بحرب فيتنام”. وبحلول عام 1967، كان هناك 55,000 جندي مصري مرابط في اليمن، من ضمنهم الوحدات الأكثر خبرة وتدريبًا وتجهيزًا في كل القوات المسلحة المصرية. وبالرغم من قتالهم العنيد ضد الفصائل الملكية، إلا أن غيابهم عن أرض مصر خلّف فجوة في الدفاعات المصرية. وأثر ذلك كثيرًا على مصر خلال حرب يونيو 1967.

هذه هي الصورة التي يستحضرها المصريون عند الحديث عن اليمن. كثيرون ينسبون هزيمة مصر في حرب العام 1967 مع العدو الصهيوني إلى فقدان خيرة جنودهم وقياداتهم في اليمن، وهكذا استُنزف الجيش المصري في حرب اليمن، مع أنه كان في حالة عداء وشبه حرب مع العدو الصهيوني. والسؤال هنا من أدخل مصر يومها في هذه الحرب؟ ولصالح من؟ 

من دون أن نتعمق في التفاصيل، يبدو أن من استفاد من استنزاف الجيش المصري هو العدو الصهيوني، الذي شن الحرب على مصر في العام 1967 واحتل كامل سيناء بالإضافة إلى غزة والضفة والقدس الشرقية والجولان. وأن السعودية هي من مول الحرب في اليمن في ذلك الزمن التي أدت إلى هذه الخسائر البشرية والمادية والمعنوية في الجيش المصري.

ومن سخريات القدر، أن مصر قاتلت يومها المعسكر الملكي الذي كان يقوده الإمام محمد البدر حميد الدين (آخر أئمة المملكة المتوكلية اليمنية)، وهو كان مدعومًا من السعودية، أي أن مصر قاتلت الزيديين المدعومين من السعودية، واليوم تطلب السعودية مساعدتها لقتال نفس الجهة وهم أنصار الله الزيديون. وهكذا تجد مصر نفسها اليوم أمام خيار صعب، وهو قتال نفس الفئة التي حاربتها في الستينات وذاقت على يديها مرارة الهزيمة. لكن هذه المرة شراكة مع عدوها السابق السعودية. 

يومها كان الهدف المصري دعم الثورة لإقامة الحكم الجمهوري في مواجهة الملكية. تكاليف الحرب المادية والمعنوية دفعتها مصر من جيبها الخاص، وهذا ما أوجد ضعفًا في الاقتصاد المصري لسنوات. اليوم تعرض السعودية تحمل كل تكاليف الحرب، إضافة إلى المساعدة المالية للاقتصاد المصري الذي يعاني بشكل كبير من الضعف. يبدو العرض في ظاهره مغريًا فلا تكاليف مادية، بل مساعدات مالية لمصر هي بأمس الحاجة إليها. 

لكن مصر اليوم غيرها في ستينيات القرن الماضي، سواء في السياسة أم في العقيدة العسكرية. فهي ما عادت تؤمن “أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”. فالواقع أثبت أن مصر استردت أرضها بغير القوة، وهي تنأى بنفسها عن أي مشاركة عسكرية مباشرة سواء في السودان أو ليبيا أو غزة، وهي دول لها حدودها الواسعة معها، فهل سترضخ للإغراءات المالية السعودية وتشارك في الحرب على اليمن؟

من الصعب اتخاذ قرار كهذا، لذا بالرغم من حديث الرئيس المصري عن استعداده للمشاركة في الدفاع عن السعودية إذا طلب منه ذلك الملك سلمان أو ولي العهد محمد بن سلمان، إلا أنه عند لحظة اتخاذ القرار الحاسم أحاله على البرلمان لدراسته والتصويت عليه، والذي بعد اجتماعه لعدة ساعات لم يصل لقرار، بل أجل ذلك إلى مزيد من الدرس للأسبوع المقبل وهي المرة الثانية التي تُرفع الجلسة العامة للمجلس دون اتخاذ قرار نهائي، وتقرر تأجيل استكمال المناقشات إلى الأسبوع المقبل.

أسباب التأجيل نشرته منصة مدى مصر وعربي 21، بالإشارة إلى وجود تحفظات واعتراضات من جانب عدد من النواب حول التورط في نزاع عسكري مباشر أو الدخول في حرب برية مفتوحة، مما استدعى تمديد النقاشات في جلسات سرية لدراسة أبعاد القرار بدقة.

بالتأكيد يذهب الاقتصاديون في مصر إلى تحبيذ فكرة المشاركة، وذلك طمعًا في المساعدات المالية، لكن الكلمة الحاسمة هي لقيادة الجيش المصري الذي يتهيب المشاركة في الحرب في اليمن، أولًا لما يختزنه من ذكريات أليمة عن اليمن، وثانيًا لأن ارتدادات القتال في اليمن على الداخل المصري ستكون جسيمة، خصوصًا مع بدء وصول جثث الجنود المصريين. ويدرك السياسيون أيضًا أن الشعب المصري يعاني اقتصاديًا واجتماعيًا وهو أصبح على شفير الانتفاضة، وليس بحاجة إلى مزيد من خيبات الأمل.

وينبه الصحفيون والإعلاميون من خطورة المشاركة في حرب اليمن، خصوصًا أن ذلك يأتي في سياق الخضوع للإملاءات السعودية التي لا يكن لها الشعب المصري الاحترام، بسبب تعاطيها الفوقي مع مصر وتخليها عنها في أحلك الظروف، فكيف سيساعدها ومقابل ماذا؟ ثم إن هذا الإعلام هو الذي روّج أثناء الحرب على غزة لمقولة: “أننا لن نقاتل، ولن ننجر للقتال حفاظًا على مصر وعلى أرواح جنودها”. كما أن مشاركة مصر بحصار غزة وعدم نصرتها، جعل موقف النظام المصري ضعيفًا أمام شعبه، فكيف سيبرر المشاركة في حرب على اليمن العربي المسلم الذي يكن للشعب المصري ولتاريخه النضالي كل احترام وتقدير.

أمر آخر مهم جدًا ويأخذه المصريون في الاعتبار، وهو أن بإمكان اليمن إغلاق مضيق باب المندب بشكل كامل، وهذا يعني توقف قناة السويس عن العمل، ما سيؤدي إلى خسائر كبيرة لا يمكن للاقتصاد المصري تحملها في هذه الظروف، مهما قدمت السعودية من مال ومساعدات. هذه الأمور مجتمعة تجعل اتخاذ قرار المشاركة في الحرب إلى جانب السعودية أمرًا صعبًا ومعقدًا.

هذه هي الوقائع، لكن القرارات السياسية تؤخذ أحيانًا بعيدًا عن الحقائق والدراسات العلمية، وحسابات الأرباح والخسائر المادية، ولو كانت كذلك، لكانت السعودية قد جنبت نفسها موبقات هذه الحرب وذهبت للاتفاق مع أنصار الله منذ سنوات.

يبقى ما هو الموقف الأمريكي من مشاركة مصر في الحرب؟ ومصر إذ استطاعت عبر القنوات الدستورية كمجلس النواب تأخير اتخاذ قرار المشاركة، فهل هي قادرة على رفض الطلب الأمريكي؟

كثيرون يرون أن الضغط السياسي سيتضاعف على مصر سواء من السعودية أو أمريكا أو من تركيا وباكستان اللذين يتهربان من شرب هذه الكأس المرة. فهل ترضخ مصر لهذه الضغوط؟ وهل سيكرر الرئيس السيسي خطأ الرئيس عبد الناصر فيدخل الجيش المصري في حرب تستنزف قدراته العسكرية، وتصيب مقتلًا في جنوده وقياداته كما حصل في ستينيات القرن الماضي، وهل هذا هو جزء من مخطط نشر الفوضى الذي يراد له أن يصيب مصر لتحقيق حلم العدو الصهيوني بالوصول إلى النيل؟

أم أن كل ذلك سيسقط أمام موقف الشعب المصري المجاهد، الذي سيرفض إعادة التاريخ لسبعين سنة إلى الوراء، وسيعلن أن “الزهور لن تدفن في اليمن مرة أخرى”، بل في أرض مصر ودفاعًا عن شعبها وأرضها لمنع تحقيق حلم بني إسرائيل في الوصول إلى النيل، وإقامة “إسرائيل الكبرى”.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى