الذهب في عالم مهتز.. الى اين؟ (عماد عكوش)

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز

في مشهد اقتصادي عالمي يمتاز بالاضطرابات ، لم يعد صعود الذهب مجرد رد فعل على خفض أسعار الفائدة كما هو متوقع ومرسوم ، بل تحول إلى ظاهرة أكثر عمقاً تعكس فقدان الثقة المتزايد في النظام المالي التقليدي .
لقد أصبح الذهب ملاذاً آمناً ليس من تقلبات السوق فحسب ، بل من السياسات النقدية التي فقدت بريقها ، والعملات الورقية التي تتآكل قيمتها تحت وطأة الديون المتضخمة والتوترات الجيوسياسية . إن تراكم هذه العوامل الهيكلية دفع بالمستثمرين ، أفراداً ومؤسسات ، إلى التوجه نحو الأصول الملموسة ، مجسَّداً بشعار “التخلص من العملات الورقية” عملياً في الأسواق العالمية.
من أهم العوامل الهيكلية الدين العالمي :
يشكل ارتفاع الدين العالمي أحد الدعائم الرئيسية التي تقوم عليها الضبابية الاقتصادية الحالية. لم يعد الدين مشكلة محلية لأي دولة ، بل تحول إلى أزمة بنيوية تهدد استقرار المنظومة برمتها ، وقد تجاوز الدين العالمي حاجز 330 تريليون دولار بحلول منتصف عام 2025 ، في مؤشر صارخ على أن النمو العالمي يعتمد على الاقتراض أكثر من اعتماده على الإنتاجية الحقيقية .
وتكمن الخطورة في أن هذا الدين لم يعد يُستخدم لتمويل استثمارات منتجة ، بل أصبح يدور في حلقة مفرغة لسد عجز الموازنات وتمويل الاستهلاك ، ما وسّع الفجوة بين الناتج الاقتصادي الحقيقي والالتزامات المتراكمة . هذا الوضع دفع البنوك المركزية حول العالم ، التي تدرك هشاشة النظام ، إلى زيادة احتياطياتها من الذهب بشكل قياسي . ووفقاً لاستطلاع مجلس الذهب العالمي ، يتوقع 95% من مسؤولي البنوك المركزية نمو احتياطيات الذهب العالمية هذا العام ، بينما يخطط 43% منهم تحديداً لزيادة حصصهم بشكل ملموس . هذه الخطوة ليست تحوطاً مؤقتاً ، بل هي إعادة هيكلة استراتيجية للاحتياطيات بعيداً عن الأصول الورقية التقليدية .
ثاني اهم العوامل هو تحركات الاقتصاد الأمريكي :
كمركز للنظام المالي العالمي ، مركز الثقل ومصدر العدوى ، تمثل التطورات في الاقتصاد الأمريكي العامل الحاسم في تحركات الذهب . فضعف الثقة في السياسات الأمريكية ، سواء النقدية أو التجارية ، يترجم مباشرة إلى طلب متزايد على المعدن النفيس .
- السياسة النقدية المتذبذبة: وجد الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نفسه في مأزق صعب. فبعد فترة من رفع أسعار الفائدة بوتيرة غير مسبوقة لكبح التضخم ، ها هو يبدأ دورة من التيسير النقدي . وقد اتخذ في 17 ايلول قراراً بخفض الفائدة من 4.5% إلى 4.25% . قرار كهذا ، بينما لا تزال مخاوف التضخم قائمة ، يبعث برسالة مفادها أن البنك المركزي يفضل دعم النمو على حساب استقرار القوة الشرائية للعملة ، ما يدفع المستثمرين إلى الذهب كحصن من التضخم .
- الاضطراب السياسي والتجاري : زادت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حدة عدم اليقين في الأسواق العالمية . كما أن الإغلاق الحكومي الأمريكي الجزئي ، الناجم عن فشل الكونجرس في التوصل لاتفاق مالي ، أضاف طبقة أخرى من الضبابية على أداء الاقتصاد الأمريكي ، ما جعل الذهب مقصداً للمستثمرين الباحثين عن الاستقرار .
- التوترات الجيوسياسية : لا يمكن إغفال دور العوامل الخارجية ، مثل المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط ، والتي تهدد شريان الطاقة العالمي وتزيد من حالة القلق التي تدفع باتجاه الملاذات الآمنة . هذه التوترات مقرونة بجهود دولية لخلق نظام مالي موازٍ يتحدى هيمنة الدولار ، تضعف من مكانة العملة الأمريكية وتقوي جاذبية الذهب كمخزن قيمة مستقل .
في ضوء هذه الاختلالات الهيكلية ، تبقى النظرة المستقبلية للذهب إيجابية على المدى المتوسط والطويل ، حيث يتوقع المحللون استمرار اتجاهه الصاعد . ويوضح الجدول التالي أبرز التوقعات للسنوات المقبلة من عدة مؤسسات تحليلية. فبنك غولدمان ساكس يتوقع ان يصل سعر أونصة الذهب الى 4900 دولار بحلول كانون اول 2026 ، وموقع لونغ فوركاست يتوقع ان يتراوح سعر الاونصة ما بين 5431 دولار و 6705 دولار في نهاية العام 2026 ، وموقع انفستنغ هافين يتوقع ان يتراوح سعر الاونصة ما بين 5400 دولار في نهاية 2026 وان يصل الى 6200 دولار في نهاية العام 2030 .
وتجدر الإشارة إلى أن هذه التوقعات تعتمد على استمرار السياق الحالي . ففي المدى القصير، قد يشهد الذهب تقلبات أو فترات تصحيح ، كما حدث في تشرين اول 2025 عندما هبط إلى ما دون 4000 دولار بسبب تحسن مؤقت في شهية المخاطرة للمستثمرين أو قوة الدولار . ومع ذلك ، فإن الاتجاه العام طويل الأجل يبقى صاعداً في ظل غياب حلول جذرية للأزمات البنيوية التي يعانيها الاقتصاد العالمي.
يحكي صعود الذهب قصة أعمق من مجرد تحركات أسعار؛ إنه يروي قصة فقدان الثقة في النظام المالي القائم. فالديون العالمية المتضخمة، والسياسات النقدية المتذبذبة في القلب من هذا النظام (الولايات المتحدة)، والاضطرابات الجيوسياسية، خلقت معاً بيئة خصبة لاستعادة الذهب لمكانته التاريخية كملاذ أخير.
طالما استمرت هذه الاختلالات الهيكلية دون معالجة حقيقية، سيظل الميل العام لسعر الذهب هو الصعود على المدى المتوسط والطويل . لقد تحول الذهب من مجرد أصل استثماري ضمن محفظة متنوعة إلى استراتيجية بقاء مالي في وجه مجهول اقتصادي وسياسي ، وهو الدور الذي لن يتغير ما دامت قواعد اللعبة النقدية العالمية تعاني من الهشاشة.



