رأي

بين كربلاء والمواجهة: لماذا المقاومة خيار لا بديل عنه؟(أسامة مشيمش)

 

بقلم د. أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز

 

لا ربيع يمرّ على هذه المنطقة من دون أن يترك جراحًا، ولا صيف يأتي إلا مثقلًا بأخبار الفقد. في وجدان الشيعة في لبنان وإيران، لا تبدو عاشوراء ذكرى عابرة، بل حالة وعي دائم بأن خط الحسين لم يُغلق في كتاب التاريخ، بل ما زال مفتوحًا على احتمالات المواجهة. من هنا ينبع السؤال: هل اختُزلت كربلاء في أماكن كثيرة إلى طقوس فولكلورية، فيما تحوّلت في لبنان وإيران إلى مشروع موقف وخيار مصير؟

ليست القضية في التنافس على من “يعرف” الحسين أكثر، بل في كيفية ترجمة معرفته. فبين من يكتفي بإحياء الذكرى في مواكب ومجالس تُختصر في بعدها الشعائري، وبين من يرى في الحسين ثورة دائمة على الظلم، يتحدد الفارق في الرؤية. في لبنان وإيران، لم تُقرأ كربلاء بوصفها حدثًا تاريخيًا منقطعًا، بل باعتبارها معيارًا أخلاقيًا يُقاس عليه الموقف من الاحتلال والهيمنة.

إن المواجهة مع إسرائيل ليست خيارًا أيديولوجيًا مجردًا، بل ردًّا طبيعيًا على كيان قام على اغتصاب الأرض وتهجير شعب، وما زال يمارس عدوانه كلما سنحت له الفرصة. والدعم الأميركي غير المشروط لهذا الكيان يكشف طبيعة الصراع الحقيقية. فواشنطن التي ترفع راية الديمقراطية لا تتردد في مساندة أنظمة استبدادية حليفة، ما يفضح ازدواجية المعايير ويؤكد أن المسألة تتعلق بالمصالح والنفوذ والثروات، لا بالقيم المعلنة.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن المقاومة حديثًا عن الكرامة والسيادة. فالتجربة أثبتت أن إسرائيل لا تفهم إلا لغة الردع، وأن أي تراجع أمام الضغوط لا يؤدي إلا إلى مزيد من الابتزاز. لذلك، لم يكن تقديم التضحيات في لبنان أو إيران بحثًا عن الموت، بل دفاعًا عن حق في الحياة بكرامة. إن الشباب الذين سقطوا، والنساء اللواتي صبرن، والأطفال الذين كبروا في ظل التهديد، لم يكونوا ضحايا عبث، بل جزءًا من معادلة فرضت توازنًا غيّر حسابات العدو.

قد يرى البعض في هذا الخيار كلفة باهظة، وهو كذلك، لكن كلفة الاستسلام أعلى. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تفرّط بسيادتها مرة، تُستباح مرات. ومن هنا، فإن استحضار الحسين ليس استدعاءً للمأساة، بل تثبيتٌ لمعادلة: الخير يبقى خيرًا والشر يبقى شرًا، مهما تغيّرت الأسماء والخرائط.

إن الصراع القائم ليس معركة عابرة بين دولتين، بل مواجهة بين مشروعين: مشروع يريد لهذه المنطقة أن تبقى تابعة، تُستنزف ثرواتها ويُصادر قرارها، ومشروع يسعى إلى استقلال حقيقي، ولو كان الثمن مواجهة مفتوحة. وبين هذين المشروعين لا مكان للحياد.

قد تتبدل القيادات، وقد يسقط شهداء كبار، لكن المسار لا يتوقف عند شخص أو جيل. فالشهادة، في منطق المقاومة، ليست نهاية الطريق، بل ضمانة استمراره. هكذا يُفهم خيار المواجهة: ليس اندفاعًا عاطفيًا، بل قناعة راسخة بأن الحق لا يُصان إلا بالقوة، وأن الأوطان لا تُحمى إلا بإرادة تعرف ماذا تريد، وتقبل أن تدفع ثمن حريتها.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى