الحرب في لبنان والبقاع المغيَّب عن الذاكرة الإعلامية (رشا برّو)

كتبت رشا برو – الحوارنيوز
منذ بداية حرب لبنان عام 2026، لا تتغيّر الصور التي تهيمن على القنوات الإخبارية اللبنانية تقريبًا: دمار في الضاحية الجنوبية لبيروت، معارك في الجنوب، خطابات سياسية، وضربات جوية “استعراضية” قرب الحدود. ومع ذلك، هناك واقع آخر، لا يقلّ عنفًا — بل أحيانًا أشد — يبقى إلى حدّ كبير خارج التغطية: واقع وادي البقاع.
حرب وطنية… تُروى وكأنها محلية
تركّز وسائل الإعلام اللبنانية، سواء كانت قريبة من أحزاب سياسية أو مستقلة، تغطيتها على فضاءين رئيسيين:
- الجنوب اللبناني (منطقة المواجهة المباشرة مع إسرائيل)،
- بيروت (المركز السياسي والإعلامي).
هذا الاختيار يخلق وهمًا: وهم الحرب “المحلية”. لكن الوقائع تُظهر حقيقة مختلفة. فالضربات الإسرائيلية لا تقتصر على هذه المناطق. إنها تطال كامل الأراضي، بما في ذلك البقاع، بشكل متكرر وقاتل.
في 8 نيسان/أبريل 2026، على سبيل المثال، ضربت موجة من القصف المكثّف بيروت والجنوب… وكذلك البقاع، ما أسفر عن أكثر من 250 شهيداً وأكثر من 1100 جريح على مستوى البلاد. ومع ذلك، ركّزت غالبية الصور المعروضة على العاصمة.
البقاع: “منطقة مُضحّى بها” إعلاميًا
في البقاع، ليست الضربات هامشية. إنها منتظمة، عنيفة، وغالبًا موجّهة ضد مناطق مأهولة.
- في النبي شيت، غارة واحدة أوقعت أكثر من 40 شهيداً.
- في شمسطار، أُبيدت عائلات كاملة، بينهم أطفال.
- ضربات أخرى طالت بعلبك والهرمل مع عشرات الضحايا.
هذه الضربات ليست معزولة بل تندرج ضمن استراتيجية أوسع: تحويل البقاع إلى عمق للحرب. بعض العمليات كانت “حزام نار” يغطي عدة بلدات في المنطقة.
ومع ذلك، تبقى هذه الأحداث غالبًا ثانوية في نشرات الأخبار اللبنانية، ويتعامل مع هذه الكوارث كهوامش، كأرقام بلا وجوه.
خسائر بشرية جسيمة… لكن غير مرئية
يدفع البقاع ثمنًا بشريًا بالغًا:
- ضربات متكررة على القرى،
- تدمير البنى التحتية المدنية،
- إبادة عائلات بأكملها،
- تهجير السكان من دون تغطية إعلامية تُذكر.
منذ بداية التصعيد، سُجّل مئات الشهداء في مختلف أنحاء لبنان، بينهم نسبة كبيرة في مناطق مثل البقاع. لكن بخلاف بيروت، حيث تُصوَّر وتُحلَّل كل انفجار، تمرّ المجازر في الشرق غالبًا بصمت أو تُختزل إلى مجرد أرقام.
لماذا يتحدث الإعلام اللبناني أقل عن البقاع؟
هذا الخلل ليس صدفة. هناك عدة أسباب تفسّر هذا التهميش:
- المركزة الإعلامية في بيروت: معظم القنوات والصحفيين يتمركزون هناك.
- المنطق السياسي: بعض المناطق أكثر “حساسية” للتغطية بحسب الانتماءات الإعلامية.
- نقص الوصول والموارد: البقاع أصعب تغطية في زمن الحرب.
- هرمية ضمنية للأرواح: ما يحدث في العاصمة يبدو “أهم” مما يحدث في الأطراف.
ذاكرة انتقائية للصراع
من خلال التركيز على بيروت والجنوب، يبني الإعلام اللبناني ذاكرة جزئية للحرب. يصبح البقاع منطقة عمياء، رغم أنه يتعرّض بدوره لقصف مكثّف، لمجازر، ولخسائر بشرية كبيرة.
تجاهل البقاع ليس مجرد نسيان منطقة. إنه إخفاء للضحايا، محو للمعاناة، وتقليص للفهم الحقيقي للحرب.
الحرب الحالية في لبنان ليست فقط حرب الجنوب أو بيروت. إنها حرب وطنية، تضرب أيضًا وادي البقاع بقسوة.
الاستمرار في التقليل مما يحدث هناك في الإعلام اللبناني يعني خلق ظلم إضافي: ظلم الصمت.
الاعتراف بشهداء البقاع، إظهار وجوههم، سرد قصصهم — ليس خيارًا تحريريًا. إنه ضرورة أخلاقية.



