سياسةمحليات لبنانية

الجنوب اللبناني: منطقة عازلة أم قضم ممنهج؟ (أكرم بزي)

 

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

 

تخضع مفاهيم الأمن القومي في العصر الحديث لتحولات جذرية مع دخول الأسلحة الذكية والمسيّرات العابرة للحدود حيّز التنفيذ، إذ لم تعد المسافات الجغرافية التقليدية توفر الحماية المطلقة التي كانت تضمنها الحروب الكلاسيكية في السابق. ومن هنا، فإن فكرة المناطق العازلة أو الأحزمة الأمنية التي تروّج لها إسرائيل تستند في جوهرها إلى عقيدة عسكرية قديمة، تفترض أن إبعاد خطر المدفعية أو التسلل البري يمنح العمق السكاني الأمان المنشود.

غير أن الواقع التقني المعاصر يثبت أن الصواريخ الجوالة والمسيّرات الانتحارية قادرة على تجاوز هذه الأحزمة بسهولة، ما يجعل الحجة الأمنية المجردة غير منسجمة مع التطور التكنولوجي الذي أطاح مفهوم الحدود الحصينة، فالصواريخ تتساقط على تل أبيب من اكثر من مسافة 2000 كلم.

ويرى كثير من المحللين العسكريين والسياسيين أن التمسك بإنشاء هذه المناطق يتجاوز الضرورة الدفاعية، ليتحول إلى استراتيجية ممنهجة لسياسة القضم الجغرافي المستمر. فالسيطرة على أراض تحت مسمى الحزام الأمني غالبا ما تتحول، مع مرور الوقت، إلى واقع مفروض يمهّد للاستيطان أو للضم الفعلي، فتغدو من وسيلة حماية مؤقتة إلى أداة توسع دائم. وهذا النهج يعكس رغبة في السيطرة المكانية أكثر مما يعكس حاجة أمنية فعلية، ولا سيما أن الأنظمة الدفاعية المتطورة والاعتراضية باتت تمثل خط الدفاع الأول، لا المساحات الأرضية الخالية التي يراد اقتطاعها من دول الجوار لتوسيع رقعة الكيان.

إن ما نشهده اليوم من صمود في وجه هذه الاعتداءات يعكس وعيا عميقا بطبيعة المشروع الذي يسعى الكيان إلى فرضه منذ عقود. فالحدود بالنسبة إليه لم تكن يوما مجرد خطوط جغرافية، بل أهدافا دائمة للتوسع والقضم الممنهج. ومن هذا المنطلق، تنبع عقيدة المقاومة في لبنان من إدراك واضح بأن الأطماع الصهيونية لا تتوقف عند حدود أمنية مزعومة، بل تمتد إلى إفراغ الأرض من أصحابها الشرعيين ودفعهم إلى النزوح القسري، تماما كما حدث في نكبة فلسطين، وكما يتكرر اليوم في غزة من محاولات إبادة وتهجير جماعي ماثلة أمام أعين العالم.

وفي المقابل، تبدو ممارسات السلطة اللبنانية عاجزة عن تجاوز حدود البيانات المستهلكة التي تهدر حقوق الجنوبيين خصوصا واللبنانيين عموما. أما التماهي والتنازلات التي تقدمها هذه السلطة، فلا تظهر إلا بوصفها استجابة لأجندات خارجية باتت واضحة لكثيرين. وعندما يصرّح بعض المؤثرين اليمينيين بصراحة بأن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة جرى اختيارهما لغايات محددة، كما ورد في تصريحات مي شدياق، فإن ذلك يكشف حجم الارتهان الذي تعيشه مؤسسات الدولة الرسمية أمام الإملاءات الدولية الساعية إلى شرعنة التنازلات وتمرير الصفقات التي تمس جوهر السيادة والتراب الوطني.

إن هذا المشهد يضع أركان السلطة أمام مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية. ففخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون، الذي أقسم على الإنجيل والدستور أن يحمي سيادة لبنان وأراضيه ويدافع عنه بكل الوسائل التي يتيحها القانون والدستور، مطالب اليوم بأن يترجم هذا القسم إلى موقف واضح ينسجم مع مقتضيات السيادة الوطنية. وكذلك فإن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مدعو إلى إدراك أن الرهان على الخارج لن يحمي أحدا من حكم التاريخ، وأن التفريط بالحقوق الوطنية يترك آثاره على الأوطان والأجيال.

ويتزامن هذا التراخي الرسمي مع النهج الذي تعتمده الأحزاب اليمينية ، ومع لغة الاستقواء بالأميركي والصهيوني لفرض الهيمنة على البلد. وقد بات ذلك واضحا من خلال بياناتهم وتصريحاتهم وخطابهم الإعلامي الفج الذي يبرر العدوان الإسرائيلي والأميركي على شعوب المنطقة ولبنان. وهؤلاء، الذين لا يأبهون إلا لمصالحهم الشخصية الضيقة، ربطوا مصيرهم ومصير أنصارهم بأجندات صهيونية، عن قصد أو عن غير قصد، مقدمين بذلك غطاء سياسيا وإعلاميا لمشاريع تستهدف تفتيت الوطن وإخضاعه للإرادة الخارجية.

ولا القوانين الدولية ستنفع هؤلاء المسؤولين، ولا الوعود الترامبية أو الماكرونية أو الخليجية ستغيّر من حقيقة الصراع. فماذا ينتظر المسؤولون اليوم؟

إن المطلوب هو الارتقاء إلى مستوى التحدي الوطني، خاصة بعد تجربة مريرة امتدت على مدى 15 شهرا من المراوغة والتسويف، شهد خلالها لبنان خروقات أمنية تجاوزت 11 ألفا، فضلا عن الانتهاكات المتكررة للسيادة برا وبحرا وجوا، وما رافقها من خطف وقتل وتشريد. لقد آن الأوان لوقف هذا الانحدار، وعدم الانصياع لرغبات مستشارين ومسؤولين جعلوا حساباتهم الخارجية تتقدم على المصلحة الوطنية.

لقد أثبتت التجربة التاريخية مع هذا العدو أن الحفاظ على الأرض والهوية لا يتحقق إلا بالثبات والتمسك بالحقوق الوطنية، وبوحدة الموقف بين قوة الميدان وعمق الحاضنة الشعبية والبيئة المؤيدة. فالتهجير الذي يسعى إليه الاحتلال ليس مجرد إجراء عسكري عابر، بل استراتيجية وجودية تهدف إلى محو الوجود الأصيل وتغيير الديموغرافيا لصالح مشاريع استيطانية توسعية. وما صمود أهل الأرض في قرى الجنوب، كما في غزة الصابرة، إلا رسالة واضحة بأن سياسة فرض الأمر الواقع لم تعد تمر أمام شعب يرفض تكرار مآسي الماضي، ويتمسك بحقه في البقاء والسيادة الكاملة على ترابه الوطني مهما بلغت التضحيات.

وبالتالي، يمكن الجزم بأن الأحزمة الأمنية في العصر الحديث باتت تخدم أهدافا سياسية وجيوسياسية أكثر مما تخدم اعتبارات عسكرية تقنية. فبينما يجري الحديث عن تأمين الحدود، يتم على أرض الواقع إزاحة السكان الأصليين وخلق مناطق نفوذ تخدم أجندة التوسع والسيطرة على الموارد. إن الاستمرار في استخدام هذه الحجج ليس سوى محاولة لتبرير احتلال الأراضي بوسائل قديمة لم تعد تصمد أمام منطق الحرب الحديثة القائم على السيادة الجوية والقدرة على الرصد والاستهداف الدقيق، ما يجعل التمسك بالأرض والحقوق الوطنية الرد الأكثر مشروعية وإقناعا في مواجهة هذه الادعاءات.

وعلى الرئيس جوزف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية، وأركان السلطة، أن يحددوا مواقفهم الحقيقية مما يجري الآن. فالحق والباطل واضحان، ولبنان يتعرض لاعتداءات إسرائيلية تمس سيادته وأرضه وشعبه. ومن هنا، فإن المطلوب موقف وطني صريح ومسؤول، ينحاز إلى حماية البلاد والدفاع عن حقوق اللبنانيين وسيادتهم، بعيدا من المواربة أو الارتهان أو الرهان على الخارج.

إن أي مقاربة جدية للدفاع عن لبنان لا يمكن أن تكتمل من دون التأكيد على الدور المحوري للجيش اللبناني، بوصفه المؤسسة الوطنية الجامعة التي يقع على عاتقها حماية السيادة وصون وحدة الأرض والشعب. فالجيش، إلى جانب سائر القوى الوطنية، مدعو اليوم إلى الالتحام مع الشعب والمقاومة ضمن رؤية دفاعية موحدة تنطلق من مصلحة الوطن العليا، بعيدا من الانقسامات والحسابات الضيقة. إن تكامل الأدوار بين الجيش والمقاومة والحاضنة الشعبية يشكل عنصر قوة حاسما في مواجهة الاعتداءات، ويؤسس لردع حقيقي يحمي لبنان أرضا وسيادة. وفي ظل التحديات الراهنة، لا خيار إلا بوحدة الموقف وصلابة الإرادة، حيث تصبح مسؤولية الدفاع عن الوطن مسؤولية جماعية تتطلب تضافر كل الطاقات الوطنية في معركة وجود لا تحتمل التردد أو الانقسام.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى