رأي

التفاوض تحت النار: سقوط الوهم وشرعنة الهزيمة(أسامةمشيمش)

 

بقلم د. أسامه توفيق مشيمش – الحوارنيوز

ليس التوقيت بريئًا، ولا الدعوة إلى التفاوض مع لبنان يمكن قراءتها كخطوة دبلوماسية طبيعية. من يروّج لهذا المسار على أنه إنجاز سياسي أو فرصة تاريخية، يتجاهل حقيقة أساسية: ما يُفرض اليوم ليس تفاوضًا بين ندّين، بل محاولة مكشوفة لشرعنة نتائج حرب لم تُحسم بعد، ولتحويل الضغوط العسكرية إلى مكاسب سياسية.

منذ أشهر، كانت الدعوات الرسمية اللبنانية إلى التفاوض المباشر قائمة، ومعروفة، ومعلنة. يومها، لم يكتفِ بنيامين نتنياهو برفضها، بل تعامل معها بازدراء واضح، معتبرًا أن لبنان لا يملك أصلًا ما يؤهله ليكون طرفًا في أي مفاوضات. فما الذي تغيّر اليوم؟ هل تبدّلت قناعاته فجأة؟ أم أن الوقائع فرضت عليه ما كان يرفضه؟

الحقيقة أكثر وضوحًا مما يحاول البعض تسويقه: نتنياهو لم يختر التفاوض، بل دُفع إليه دفعًا. الضغوط الميدانية، وتعقيدات الحرب، وتداعياتها الإقليمية، كلها وضعت القيادة الإسرائيلية أمام مأزق حقيقي. لكن بدل الاعتراف بهذا المأزق، يجري تسويقه على أنه مبادرة سياسية، في محاولة للالتفاف على الخسائر وإعادة إنتاجها بصيغة “تفاهمات”.

الأخطر من ذلك، أن بعض الأصوات في الداخل اللبناني تتعامل مع هذا الطرح وكأنه فرصة يجب اقتناصها، متجاهلة أن التفاوض في هذه اللحظة تحديدًا يعني القبول بشروط تُفرض تحت النار، لا نتيجة توازن حقيقي. وهذا ليس تفاوضًا، بل تنازل مُقنّع، يُراد له أن يُمرَّر تحت عناوين براقة.

الحديث عن هدنة مؤقتة أو وقف لإطلاق النار لا يغيّر في جوهر المسألة. فهذه “الاستراحة” ليست إلا فرصة لإعادة ترتيب الأوراق بما يخدم الطرف الأقوى دوليًا، لا تمهيدًا لسلام عادل. والتاريخ مليء بأمثلة اتفاقات فُرضت في ظروف مشابهة، وانتهت إلى تكريس اختلالات بدل معالجتها.

ثم إن الرهان على الوساطات الدولية أو الإقليمية ليس في محله. فهذه الوساطات لا تعمل في فراغ، بل ضمن حسابات ومصالح لا تتقاطع بالضرورة مع المصلحة اللبنانية. وبالتالي، فإن التعويل عليها لضمان نتائج عادلة هو رهان خاسر سلفًا.

أما في الداخل، فإن القوى السياسية التي يُفترض أن تخوض هذا المسار، لا تمتلك في الواقع أوراق قوة فعلية، بل تكتفي بخطابات وتحريض لا يغيّران شيئًا في موازين القوى. وهذا ما يجعل أي تفاوض تقوده عرضة لأن يكون مجرد غطاء سياسي لنتائج تُفرض من الخارج.

المقارنة مع تجارب سابقة ليست من باب المبالغة، بل من باب التحذير. فالتاريخ اللبناني يعرف جيدًا كيف يمكن لاتفاق يُوقَّع تحت الضغط أن يتحول إلى عبء طويل الأمد، بدل أن يكون حلًا. وما يُطرح اليوم لا يبدو بعيدًا عن هذا النموذج.

في المحصلة، ما يجري ليس فرصة، بل اختبار خطير. إما أن يُقرأ المشهد بواقعيته القاسية، ويُرفض الانجرار إلى تفاوض بشروط مختلّة، أو أن يُعاد إنتاج الأخطاء نفسها تحت عناوين جديدة. التفاوض ليس قيمة بحد ذاته، بل يصبح كذلك فقط عندما يكون خيارًا حرًا بين أطراف متكافئة. وما عدا ذلك، ليس إلا اسماً آخر للهزيمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى