البحث عن الهوية.. البحث عن وطن (رشا برّو)

رشا برو – الحوارنيوز- لندن
في لبنان، كثيراً ما يعرّف الناس أنفسهم بانتماءاتهم المناطقية: “أنا من الشمال”، “أنا من الجنوب”، “أنا من البقاع”، “أنا من بيروت”، وكأن هذه الانتماءات تكفي لتشكيل هوية كاملة. لكن التجربة اللبنانية أثبتت أن هذا التشرذم يضعف الوطن ويهدّد وحدته.
الحرب الأهلية (1975–1990) كانت أوضح مثال، إذ تحوّلت بيروت إلى مدينة مقسّمة بين شرق وغرب، وسقط أكثر من 150 ألف ضحية نتيجة ولاءات ضيقة غلبت على الانتماء الوطني. هذا الانقسام لم يكن مجرد جغرافي، بل تحوّل إلى حواجز نفسية واجتماعية مزّقت النسيج اللبناني.
في المقابل، أظهر اتفاق الطائف (1989) أن الخروج من الانقسام لا يكون إلا بإعادة الاعتبار للوحدة الوطنية، عبر صياغة عقد اجتماعي جديد يوازن بين الخصوصيات ويعيد بناء الدولة على أساس المواطنة. كذلك، خلال النزوح الكبير من الجنوب في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، أثبت اللبنانيون أن التضامن الوطني يتجاوز الجغرافيا، حيث استقبلت مختلف المناطق النازحين وساندتهم، في مشهد يذكّر بأن الهوية الجامعة أقوى من أي حدود داخلية.
حبّ القرية أو المدينة أمر طبيعي ومشروع، لكنه لا يجب أن يتحوّل إلى هوية حصرية. الانتماء الحقيقي هو للبنان، بتاريخ واحد ومستقبل مشترك. فالوطن ليس فسيفساء متنافرة، بل كيان حيّ لا يقوم إلا بوحدته. إن بناء دولة عادلة وقوية يبدأ من مواطنين يرفضون التسميات الضيقة، ويختارون أن يكونوا لبنانيين أولًا، قبل أي انتماء آخر.
إن لبنان اليوم بحاجة إلى إعادة صياغة مفهوم المواطنة، بحيث تصبح الهوية الوطنية هي الإطار الجامع الذي يحتوي كل الانتماءات المحلية، ويحوّل اختلافاتها إلى ثروة لا إلى عائق. عندها فقط يمكن أن نتصالح مع تاريخنا، ونبني مستقبلًا يليق باسم لبنان.



