
كتبت زينب اسماعيل – الحوارنيوز
في الشرق الأوسط اليوم، تتقاطع خطوط النار مع خطوط النفوذ العالمية، حيث تُدار المواجهات بصمت، ويكاد العالم يقف على حافة انفجار لم يُعلن عنه بعد. أي اشتباك محدود هنا قد يتحوّل بسرعة إلى اختبار لتوازنات النظام الدولي، والجنوب اللبناني يقف على خط المواجهة المباشر، بين توغل إسرائيلي واشتباكات المقاومة، في لحظة يختبر فيها العالم قدرة أطرافه على ضبط الصراع قبل أن يخرج عن السيطرة.
في لحظات معينة من التاريخ، لا يكمن الخطر في الحروب نفسها، بل في تلك المنطقة الرمادية التي تسبق تسميتها.
حين يصبح السؤال هو المؤشر الأخطر: هل ما نشهده مجرد تصعيد إقليمي، أم أننا أمام تحوّل فعلي في شكل النظام العالمي؟
ما يجري اليوم بين إيران وإسرائيل، في ظل انخراط مباشر أو غير مباشر من الولايات المتحدة، لا يمكن اختزاله في إطار مواجهة تقليدية.
إنه صراع متعدد المستويات: عسكري في ساحاته، سياسي في إدارته، وأيديولوجي في خلفياته، لكنه في جوهره اختبار عميق لتوازنات النظام الدولي.
الشرق الأوسط: من ساحة نزاع إلى مركز إعادة تشكيل العالم
لم يعد الشرق الأوسط مجرد مسرح لصراعات الآخرين، بل أصبح نقطة ارتكاز في صراع النفوذ العالمي.
هنا تتقاطع مشاريع كبرى:
مشروع تسعى عبره الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تفوقها،في مقابل محاولات تقويض هذا التفوق عبر قوى إقليمية تتقدمها إيران، بدعم أو تقاطع مصالح مع قوى دولية مثل روسيا والصين.
لكن الخطورة لا تكمن فقط في وجود هذه المشاريع، بل في تداخلها داخل مساحة جغرافية واحدة، حيث يصبح أي اشتباك محدود قابلًا للتحول إلى أزمة دولية مفتوحة.
لبنان: بين الاشتعال الميداني واحتمالات الانزلاق
في قلب هذا المشهد، يقف لبنان كواحد من أكثر النقاط اشتعالًا وخطورة.
لم يعد التوتر على الجبهة مع إسرائيل مجرد احتمال، بل أصبح واقعًا ميدانيًا يتجسّد في محاولات توغل، واشتباكات مباشرة مع قوى المقاومة على الحدود الجنوبية.
ما يجري لم يعد ضمن قواعد اشتباك مستقرة، بل في مساحة تتآكل فيها هذه القواعد يومًا بعد يوم.
وهنا يتقدّم السؤال الأخطر:
هل نحن أمام مواجهة محدودة يمكن احتواؤها، أم بداية مسار قد يتوسع تدريجيًا خارج السيطرة؟
في ظل هذا التصعيد، تبرز فرضيات أكثر حساسية:
إمكانية أن تحاول إسرائيل فرض واقع أمني جديد في الجنوب، مستفيدة من لحظة إقليمية مضطربة، سواء عبر توسيع نطاق عملياتها أو إعادة رسم حدود الاشتباك بشكل أحادي.
لكن هذه المحاولات، إن وجدت، تصطدم بحقيقة أساسية:
الجنوب اللبناني ليس ساحة مفتوحة، بل بيئة اشتباك معقدة، حيث أي تقدم عسكري قد يتحول بسرعة إلى مواجهة واسعة، تتجاوز حدود السيطرة وتفرض أثمانًا مرتفعة على جميع الأطراف.
هنا لا يكون لبنان مجرد ساحة هامشية في الصراع،
بل نقطة قد تحدد اتجاهه.
اصطفافات مرنة… وخطر غير مرئي.
العالم اليوم لا ينقسم بشكل كلاسيكي كما في زمن الحرب الباردة، لكنه يتجه نحو اصطفاف واضح المعالم:
دعم غربي تقوده الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل،
في مقابل شبكة نفوذ تقودها إيران عبر حلفاء إقليميين.
لكن هذا الاصطفاف ليس صلبًا، بل مرن، تحكمه المصالح أكثر من الالتزامات.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي:
تحالفات قابلة للتبدل، وقرارات تُتخذ بسرعة، وصراعات تُدار دون سقف واضح.
الردع يتآكل… والخطأ يصبح كارثيًا
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قام العالم على مبدأ الردع: توازن يمنع الانفجار الكبير.
لكن هذا التوازن لم يعد مستقرًا:
الضربات غير المباشرة تتزايد،
الحروب بالوكالة تتوسع،
وسرعة التصعيد تفوق أحيانًا قدرة القرار السياسي على اللحاق بها.
في مثل هذا الواقع، لا تحتاج الحروب إلى قرار… يكفي خطأ.
الصين: الحاضر الغائب في لحظة التحول
وسط هذا المشهد، تراقب الصين بهدوء.
لا تدخل الحرب، لكنها لا تغيب عنها.
استراتيجيتها تقوم على الانتظار الذكي:
ترك الآخرين يستنزفون، ثم الحضور في لحظة إعادة توزيع النفوذ.
لكن هذا “الحياد” ليس ثابتًا، بل خيار قابل للتغيير إذا تغيرت المصالح.
هل نحن أمام حرب عالمية ثالثة؟
الجواب ليس نعم… لكنه أيضًا ليس لا.
العالم يقف في منطقة وسطى خطرة:
بين احتواء الصراع،
وبين انزلاقه.
التاريخ يعلّمنا أن الحرب العالمية الأولى لم تبدأ كحرب عالمية، بل كأزمة إقليمية خرجت عن السيطرة.
وهذا ما يجعل اللحظة الحالية شديدة الحساسية:
التصعيد ليس بالضرورة مقصودًا… لكنه قد يصبح واقعًا.
أخطر الأوهام
قد لا نكون في حرب عالمية ثالثة،
لكننا نعيش زمنًا يشبه مقدماتها.
زمن تتداخل فيه الجبهات،
وتتسارع فيه القرارات،
وتضعف فيه القدرة على السيطرة.
العالم اليوم لا يسير نحو حرب شاملة بقرار واعٍ،
بل يقترب منها عبر سلسلة حسابات يظن كل طرف أنه قادر على ضبطها.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي:
ليس في نية الحرب…
بل في الثقة المفرطة بإمكانية التحكم بها.
لأن الحروب الكبرى لا تبدأ حين يريدها الجميع،
بل حين يعجز أحدهم عن إيقافها.



