الابتزاز الأميركي ومعادلة الصندوق الإيراني: قراءة في فخاخ التمويل الخليجي والوحل اللبناني( أكرم بزي)

كتب أكرم بزيظ* – الحوارنيوز
يبدو ان النمط الابتزازي الذي يمارسه دونالد ترامب تجاه حكام الخليج قد تحول إلى عقيدة ثابثة في سلوكه السياسي، ولم يعد هذا الابتزاز مجرد مناورات عابرة، بل غدا استراتيجية بنيوية توظفها واشنطن لادارة أزماتها العامة والخاصة على حد سواء، وتتجلى هذه الديناميكية بشكل صارخ في كواليس التفاهمات الاميركية الايرانية الاخيرة لعام ٢٠٢٦، حيث يدير ترامب اللعبة بعقلية التاجر الذي يفرض الاتاوات السياسية والمالية على الحلفاء، لتمويل التزاماته والتهرب من دفع اي كلفة مباشرة.
وفي هذا السياق، تكشف التقارير المتقاطعة لوكالات الانباء العالمية، مثل بلومبرغ ورويترز في منتصف حزيران يونيو ٢٠٢٦، عن بند جوهري ومثير للجدل في مسودة مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، يتعلق بتأسيس صندوق استثماري خاص تحت مسمى صندوق اعادة الاعمار والتنمية بقيمة تصل الى ٣٠٠ مليار دولار اميركي، ورغم محاولات ترامب اللاحقة عبر منصته تروث سوشيال لنفي قيام الولايات المتحدة بدفع هذا المبلغ من خزينتها، واصفا تلك التقارير بالاشاعات، جاء التأكيد الحاسم من نائبه جي دي فانس في مقابلته مع شبكة سي بي اس في الخامس عشر من حزيران يونيو ٢٠٢٦، حين صرح بوضوح ان الايرانيين قد يحصلون على هذا التمويل المقدر بـ ٣٠٠ مليار دولار، ولكن بشرط ان يمول بالكامل من تحالف دول مجلس التعاون الخليجي، ومساهمات الشركات الاستثمارية.
ان هذا الطرح يمثل ذروة الابتزاز السياسي والمالي، اذ تسعى ادارة ترامب الى ارغام العواصم الخليجية على تحمل الكلفة الباهظة للاتفاق مع طهران، ولا ينفصل هذا الضغط عن الحسابات الميدانية المعقدة، فدول الخليج، وخاصة تلك التي وجدت نفسها، طوعا او كرها، منخرطة في الصراع عبر تقديم منشآتها وقواعدها كمنصات لانطلاق الطائرات والصواريخ الاميركية والاسرائيلية الموجهة ضد العمق الايراني، تجد نفسها اليوم مجبرة على دفع ثمن السلم من جيوبها، تماما كما دفعت ثمن التصعيد سابقا، ليتحول التمويل الخليجي المفترض للاقتصاد الايراني في مجالات الطاقة والبنية التحتية الى صيغة ملتوية للتعويضات غير المباشرة التي طالبت بها طهران في بداية المفاوضات.
ولا تتوقف هذه المناورات عند الشق المالي، بل تمتد لتشمل اعادة صياغة المعادلات الاقليمية عبر الضغط المباشر، وهو ما ظهر بوضوح خلال فعاليات قمة مجموعة السبع في ايفيان بفرنسا في السادس عشر من حزيران يونيو ٢٠٢٦، ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده ترامب على هامش القمة، وكان يجلس الى جانبه امير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، اطلق الرئيس الاميركي تصريحا لافتا اقترح فيه اسناد مهمة التعامل مع ملف حزب الله وسلاحه في لبنان الى الدولة السورية ورئيسها، مشيدا بقدرة دمشق على تولي هذا الملف بدلا من الاستنزاف العسكري الاسرائيلي، وجاء هذا الموقف ليعكس تجاهلا متعمدا من ترامب لتعقيدات المشهد، وضغطا مضاعفا على الجالسين بجواره، فالدوحة التي تقود وساطات شاقة ومتوازنة بين طهران وواشنطن وحلفائهما في المنطقة، تجد ان هذا النمط من الطروحات يحرج دورها الدبلوماسي ويهدد مصالحها الحيوية بالانزلاق نحو محاور تصادمية لا ترغب بها.
وفي المقابل، تتشابك هذه الضغوط مع حسابات اقليمية اخرى بالغة الحساسية، ولا سيما الحسابات التركية التي تتقاطع وتتناقض في آن واحد مع الطروحات الاميركية حول مستقبل النفوذ في سوريا ولبنان، فتركيا لن ترضى باي ترتيبات تمنح دمشق او طهران تفوقا استراتيجيا يهدد عمقها امني، او يعيد رسم الخرائط دون موافقتها، ومع ذلك، يصر ترامب على تجاوز كل هذه التعقيدات مستخدما لغة التهديد والترغيب، ليضع الخليجيين امام خيار واحد وهو التمويل والاستثمار في ايران كبوابة وحيدة لشراء الاستقرار الاقليمي، وحماية عروشهم من تقلبات السياسة الاميركية التي تبيع وتشتري في سوق المصالح الدولية بلا رادع اخلاقي.
وفي هذا المشهد المتداخل، تبدو الطروحات الاميركية منفصلة تماما عن واقع الجغرافيا والسياسة الميدانية، فلا الرئيس السوري احمد الشرع بوارد الدخول في متاهات الساحة اللبنانية وتعقيداتها، بل هو بالكاد يستطيع في هذه المرحلة ضبط الامن وتثبيت ركائز الاستقرار في العاصمة دمشق وجوارها، بعد سنوات طويلة من الاستنزاف والتحولات الميدانية العاصفة، فكيف اذا ما انغمس في الوحل اللبناني، بكل ما يحمله من الغام سياسية وعسكرية وطائفية شديدة الحساسية والتعقيد.
ان هذه الاندفاعة الاميركية تتجاهل الادراك السوري العميق للمخاطر المترتبة على اي تحرك غير مدروس، اذ يدرك الرئيس السوري تماما انه بمجرد المحاولة، او الانزلاق نحو هذا الدور الاقليمي المفروض قسرا، ستبتلع اسرائيل ما تستطيع قضمه من اراض ومواقع استراتيجية ما زالت تشتهيها وتهدف للسيطرة عليها في سوريا، تحت مسميات الاحزمة الامنية او حماية حدودها الشمالية.
لذلك، يصبح هذا السيناريو الذي روج له ترامب من قبيل المناورة السياسية والضغط الاعلامي غير الواقعي، حيث تحاول واشنطن القاء كرة النار في احضان قوى اقليمية مثقلة بالازمات، من اجل ابتزاز الاطراف الخليجية والضغط عليها لتقديم التنازلات والتمويل، متغافلة عن ان دمشق في عهدها الجديد تعطي الاولوية المطلقة لتحصين حدودها، ومنع استدراجها الى اي مواجهات اقليمية قد تطيح بما تم تحقيقه من توازنات داخلية هشة.
*كاتب وباحث سياسي لبناني


