منوعاتوفيات

محسن دلول في ذمة الله : تاريخ في رجل !

 

الحوارنيوز – خاص

لا يمكن إعتبار محسن دلول شخصية سياسية عابرة في تاريخ لبنان.إنه تاريخ في رجل ،تعبرعن ذلك سيرة حياته التي سجلها صديقه الحميم الكاتب والباحث يوسف مرتضى. ويبقى “أبو نزار” ،كما يحب أن يناديه أصدقاؤه، واحداً من أولئك الرجال الذين صنعوا التاريخ اللبناني من تحت الطاولة وفوقها، في زمن كانت فيه الحلول المستحيلة هي وحدها الممكنة.

لقدغيّب الموت النائب والوزير اللبناني السابق محسن دلول عن 93 عاما، تاركاً خلفه إرثاً سياسياً حافلاً بالأدوار المفصلية في تاريخ لبنان المعاصر. الرجل الذي جمع بين الصحافة والسياسة والوزارة والنيابة، وكان أحد أبرز وجوه الحزب التقدمي الاشتراكي وأكثر الشخصيات إثارة للجدل، حيث لعب دور الوسيط في أخطر الملفات الوطنية.

 

ولد محسن دلول في بلدة “علي النهري” في قضاء زحلة عام 1933 لعائلة شيعية متواضعة . كان والده فلاحاً بسيطا، وعانى دلول في طفولته من الفقر الذي كاد يحرمه من إكمال تعليمه . لكن إصرار أساتذته في “الكلية الشرقية” بزحلة أقنع والده بضرورة تعليمه، فتابع دراسته حتى حصل على إجازة في علم الاجتماع .

 

بدأ دلول مساره المهني معلماً في البقاع وبيروت، قبل أن ينتقل إلى الصحافة حيث عمل في عدة صحف ومجلات وانتمى إلى نقابة محرري الصحافة اللبنانية . لكن انضمامه المبكر إلى الحزب التقدمي الاشتراكي عام 1951 غيّر مسار حياته تماماً، حيث تدرج في المناصب الحزبية حتى أصبح نائباً لرئيس الحزب لسنوات عديدة .

دخل دلول البرلمان اللبناني أول مرة عام 1991 نائباً عن بعلبك – الهرمل، ثم انتخب عن زحلة في أعوام 1992 و1996 و2000 . لكن حضوره الحكومي كان الأكثر بروزاً، حيث شغل حقيبة الزراعة في ثلاث حكومات متتالية (1989-1992) قبل أن يُسند إليه منصب وزير الدفاع في حكومات رفيق الحريري الأولى والثانية والثالثة بين 1992 و1998 .

 

في تلك الفترة، كُلّف دلول بملفات بالغة الحساسية، أبرزها الحوار مع العماد ميشال عون حول اتفاق الطائف وإنهاء “تمرده” كما ورد في التكليف الرسمي، والحوار مع الأحزاب والميليشيات اللبنانية لجمع السلاح وإخراج الميليشيات من بيروت، إضافة إلى الحوار مع المنظمات الفلسطينية .

يمتلك دلول تاريخاً طويلاً من اللقاءات السرية والوساطات الخلفية. ففي ذروة الحرب الأهلية، وتحديداً في 2 حزيران 1976، استضاف في شقته ببيروت لقاءً تاريخياً جمع بين كمال جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وبشير الجميل، وكان دلول حينها نائباً لرئيس الحزب التقدمي .

 

هذا النمط من العمل خلف الكواليس رافقه طوال مسيرته. وفي حديث صحفي نادر، كشف دلول أنه حمل رسالتين “مشؤومتين” في حياته: الأولى إلى كمال جنبلاط مفادها “لا تحاول قطع الخيط كي لا يقطعك”، والثانية إلى رفيق الحريري تقول “فلّ”. وبحسب روايته، لم يستجب الرجلان فاستشهدا .

مع كمال جنبلاط وياسر عرفات

شكل الموقف من الوجود السوري في لبنان محور الجدل الأكبر حول محسن دلول. وصفه خصومه بأنه “عميد المخبرين السوريين في لبنان” ، بينما دافع هو عن نفسه قائلاً: “أنا لبناني وأعتز بلبنانيتي وعروبتي، ولي علاقة مميزة مع سوريا واستعملتها لخدمة لبنان، ولم أشعر يوماً أنني أخالف قناعاتي” .

 

الحقيقة أن علاقته مع دمشق تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، حين كان مرسلاً من كمال جنبلاط إلى عبد الحميد السراج لطلب السلاح والمال لانتفاضة 1958.  

هذه العلاقة أهلته للحصول على مناصب وزارية مهمة، حيث كان نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام أول من اقترح توزيره عام 1976 .  

دلول مع رفيق الحريري وضباط سوريين بينهم مصطفى طلاس وغازي كنعان

توصف شخصية دلول في الدراسات الأكاديمية بأنها “قيادية فاعلة، استثمرها في الوصول إلى الهدف بأقل الخسائر، واضعاً نصب عينيه مصلحة لبنان وشعبه، فكان رجل حوار من الطراز الأول حاول حل النزاعات بين الأطراف المتخاصمة بطريقة سلمية وحضارية” .

 

إحدى أهم مهامه كانت ملف حل الميليشيات بعد اتفاق الطائف. يروي دلول أنه تولى هذه المهمة مع الوزير ألبير منصور في ظل ظروف بالغة الصعوبة، حيث كانت كل ميليشيا أقوى من الجيش. وارتأى الثنائي تفكيك عناصر الميليشيات عبر ثلاث زوايا: المال (باستيفائه من قبل الدولة)، والعناصر (بسحبها من سيطرة الجماعات)، والسلاح (ببيعه أو تقديمه للجيش) .

 

عُرف محسن دلول بصفات عدة جعلت منه شخصية استثنائية في المشهد اللبناني. كان مثقفاً موسوعياً يقرأ لميخائيل نعيمه وطه حسين وأحمد أمين، ويؤلف الكتب التي حملت أفكاره وتصوراته المستقبلية . كما كان شديد الحرص على عروبة لبنان كضمانة لحل مشاكله، فوقف بقوة ضد مشاريع التقسيم والتفتيت .

 

لكن الصفة الأبرز كانت قدرته على الحوار والوساطة. فقد شخص بدقة مكامن الخلل في المؤسسة العسكرية التي أضعفتها الولاءات الطائفية، وبذل جهداً كبيراً لإصلاحها وتشكيل جيش وطني . وكان كحال معظم السياسيين اللبنانيين، يجمع بين المديح والنقد، بين الاتهام بالولاء لسوريا والتقدير لدوره الوطني.

تزوج دلول من سهام كنعان ولهما أربعة أولاد: نزار وعلي وزياد ورولا.  ابنه البكر نزار متزوج من ابنة نازك الحريري الزوجة الثانية لرفيق الحريري.   نزار وعلي دلول لديهما استثمارات تجارية وهما من بين المساهمين في شركة “ليبان سيل”، شركة الهواتف المحمولة اللبنانية.   وقد امتد أعمالهما في الاتصالات إلى الدول الإفريقية.

 

رحل محسن دلول مخلفاً وراءه سجلاً حافلاً بالتناقضات والإنجازات، وكتباً تروي جانياً من ذاكرة لبنان السياسية، وصالوناً شعبياً في قريته كان يستقبل فيه المعارف والأصدقاء يومياً.

سوف يفتقد الكثيرون في لبنان والخارج حضور “أبي نزار” رحمه الله.

مع وليد جنبلاط
مع الإمام الصدر وكمال جنبلاط
مع الرئيس نبيه بري
مع الرئيس سليم الحص

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى