رأي

لبنان .. هل ينجو من نفسه ؟ ( زينب اسماعيل)

 

زينب إسماعيل – الحوارنيوز

ما هذا الذي يحدث؟
ما هذا الجنون؟
هل هي حرب… أم خلل في الواقع نفسه؟
في لبنان، لم يعد الموت خبرًا عاجلًا،
بل صار كائنًا يوميًا، يجلس معنا على الطاولة، يشرب قهوتنا، وينتظر دوره بصبرٍ غريب.
لم يعد السؤال: هل سننجو؟
بل: من منا سيتأخر قليلًا فقط؟
السماء فوقنا لم تعد حيادية.
تحوّلت إلى آلةٍ ضخمة، تفتح فمها كل يوم، وتبتلع ما تراه مناسبًا:
منزلًا هنا… شارعًا هناك… سيارة إسعاف ظنّت، لوهلة، أنها تحمل الحياة لا الموت.
نعم، حتى الإسعافات تُستهدف.
كأن الحرب قررت أن تلغي آخر فكرةٍ بقيت: أن هناك من يُنقذ.
وهنا، لا يعود المشهد عسكريًا… بل وجوديًا.
تصبح الحرب سؤالًا عن معنى الإنسان نفسه، لا عن انتصار أو هزيمة.
في الجنوب، لا يحدث القصف فقط…
بل يحدث محوٌ تدريجي للذاكرة.
قرى تختفي وكأنها لم تكن،
بيوت تُسحب من الأرض كأنها رسومات على ورق،
وأصوات الناس تبقى معلّقة في الهواء، بلا أصحاب.
الجنوب لم يعد جبهة.
صار مرآة.
مرآة لواقعٍ كامل، يرى نفسه يُحرق ولا يملك سوى المشاهدة.
وهنا تبدأ السوريالية الحقيقية:
حين يصبح كل شيء منطقيًا في قلب اللامنطق.
أن تعتاد صوت الانفجار.
أن تفرّق بين أنواع الصواريخ كما يفرّق الأطفال بين الألعاب.
أن تنام وأنت تعرف أن سقف بيتك ليس ضمانة… بل احتمال.
هذا ليس تكيّفًا…
هذا انهيارٌ صامت للروح.
أما السياسة؟
فتقف بعيدًا، باردة، تراقب المشهد وكأنه عرضٌ طويل.
تصريحات، إدانات، حسابات…
بينما الواقع يُكتب بلغةٍ أخرى: لغة النار.
لبنان اليوم ليس فقط ضحية حرب…
بل ضحية عبثٍ كامل.
عبث لا يشرح نفسه.
لا يقدّم مبررات.
ولا يعترف حتى بأنه عبث.
ووسط هذا كله،
نحاول أن نعيش.
نشتري الخبز، نشرب القهوة، نضحك أحيانًا…
كأننا نمارس الحياة كنوعٍ من التحدي، أو ربما كنوعٍ من الإنكار الجميل.
لكن الحقيقة، التي لا يمكن الهروب منها، هي هذه:
نحن لا نعيش فوق أرضٍ مستقرة…
بل فوق فكرة الانهيار نفسها.
وكل يوم يمر،
لا يقرّبنا من النهاية…
بل يجعل هذا الحلم السيّئ يبدو أكثر واقعية.
وفي النهاية… لا أحد سينتصر في هذا المشهد.
لأن الخراب حين يصبح القاعدة، لا يترك مكانًا لفكرة النصر أصلًا.
سنخرج—إن خرجنا—بأجسادٍ ما زالت تمشي،
لكن بأرواحٍ تعلّمت أن تخاف من السماء،
ومن الصوت،
ومن الغد.
هذه ليست حربًا تنتهي بتوقيع اتفاق…
بل جرحٌ مفتوح، كل يوم يتعلّم كيف ينزف أكثر.
وحده السؤال سيبقى:
كيف يمكن لبلدٍ اعتاد النجاة…
أن ينجو هذه المرة من نفسه؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى