
كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
لأعوام طويلة، التزمت إيران بما اصطلح على تسميته سياسة الصبر الاستراتيجي، حيث امتنعت عن الرد المباشر على التهديدات، وفضّلت إدارة الصراع عبر امتصاص الضغوط وانتظار لحظة الرد المناسبة زمانا ومكانا. غير أن التحولات الأخيرة في الخطاب الدفاعي الإيراني تشير بوضوح إلى انتهاء هذه المرحلة، والدخول في مقاربة جديدة تقوم على ما يمكن وصفه بعقيدة المؤشرات الملموسة للتهديد.
جوهر هذا التحول لا يكمن في نزعة هجومية، بل في إعادة تعريف مفهوم العدوان ذاته. فحين تتحول التهديدات العلنية، والتحشيد العسكري، والاستعدادات التقنية المسبقة، إلى سياسة ثابتة ومعلنة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنها تخرج من إطار الضغط السياسي، وتدخل في نطاق التهديد المباشر لأمن الدولة وسيادتها. وعند هذه النقطة، يصبح انتظار الضربة الفعلية ضربا من المقامرة الوجودية، لا من الحكمة الاستراتيجية.
وفق مبادئ القانون الدولي، ولا سيما المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، يحق لأي دولة الدفاع عن نفسها في حال تعرضها لعدوان مسلح. غير أن تطور طبيعة الحروب، وانتقالها من الهجوم التقليدي إلى الضربات الاستباقية والحروب الهجينة، فرض واقعا جديدا لم يعد فيه العدوان لحظة واحدة، بل مسارا متدرجا يبدأ بالتهديد العلني وينتهي بالفعل العسكري. من هذا المنطلق، فإن اعتبار إيران أن المؤشرات الملموسة للتهديد جزء من معادلة الرد ليس خرقا للقانون الدولي، بل قراءة واقعية له، تنسجم مع سوابق دولية عديدة اعتمدت الدفاع الاستباقي حين توافر خطر وشيك ومعلن. فالدولة التي تُهدد علنا، وتُحاصر اقتصاديا، وتُحشد القوات قبالة حدودها، لا تُطالب بالانتظار حتى تُضرب كي تثبت أحقيتها في الدفاع عن نفسها.
تحمل المقاربة الإيرانية الجديدة رسائل واضحة لا لبس فيها. إلى واشنطن، مفادها أن سياسة التهديد والضغط العسكري لن تؤدي إلى التراجع، بل قد تفتح الباب أمام تصعيد غير قابل للضبط إذا ما رأت طهران أن التهديدات خرجت من إطار الردع النفسي إلى نية الفعل. أما إلى تل أبيب، فإن التشديد على وحدة الأراضي والاستقلال والسيادة هو رد صريح على الحديث المتكرر عن استهداف منشآت داخل العمق الإيراني، ورسالة بأن أي ضربة لن تُقابل برد محدود أو محسوب، بل برد قاطع يطال معادلات الردع برمتها.
المفارقة أن ما تسميه واشنطن وتل أبيب سياسة ردع، بات يُقرأ في طهران بوصفه محاولة ممنهجة لفرض معادلة استسلام تحت التهديد. هذا الاستفزاز المتواصل، بدل أن يؤدي إلى انكفاء إيراني، دفع إلى توسيع دائرة الاشتباك المفاهيمي، بحيث لم يعد الرد محصورا بالفعل العسكري، بل شمل التهديد ذاته كفعل عدائي يستوجب المواجهة. إن إدراج مفاهيم مثل الاستقلال ووحدة الأراضي في صلب الخطاب الدفاعي يعكس إدراكا إيرانيا بأن المسألة لم تعد خلافا سياسيا أو نوويا، بل محاولة لتقويض كيان الدولة وموقعها الإقليمي، وهو ما يفسر لهجة البيان وحدته، ووصفه للرد بأنه متناسب وحاسم في آن واحد.
في ضوء هذا التحول، تبرز مؤشرات ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، أبرزها تآكل المنطقة الرمادية التي كانت تسمح بجس النبض والمناورة، حيث بات أي تحرك عسكري أو أمني يفسر مباشرة على أنه مقدمة لحرب. كما أن قواعد الاشتباك تشهد تحولا نوعيا، مع احتمال لجوء إيران إلى خطوات سياسية أو عسكرية استباقية إذا رأت في المناورات أو التحركات المشتركة مؤشرات تهديد حقيقية. وفي المقابل، يسعى هذا الخطاب إلى فرض ردع متبادل يقوم على معادلة واضحة مفادها أن تكلفة التهديد باتت توازي تكلفة التنفيذ.
تدخل المنطقة اليوم مرحلة دقيقة من عض الأصابع، حيث تتقاطع التهديدات العلنية مع عقائد دفاعية جديدة لا تحتمل الخطأ في التقدير. وبينما تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل فرض واقع ردعي قائم على التلويح بالقوة، ترد إيران بتكريس شرعية الدفاع الاستباقي كحق سيادي لا يمكن التنازل عنه. في هذا السياق، لا يبدو البيان الإيراني مجرد موقف سياسي عابر، بل إعلان واضح عن تعديل عميق في بنية الأمن القومي الإيراني، بما يجعل أي استمرار في التهديد مغامرة قد تشعل مواجهة إقليمية واسعة لا يريدها أحد، لكن الجميع يساهم في الاقتراب منها.


