
كتب واصف عواضة – خاص الحوارنيوز

نادرا ما تسقط الإمبراطوريات العظمى من الخارج، بل تتفكك من الداخل لأسباب جوهرية، وتنهار بتأثيرات خارجية . والجمهورية الإسلامية الإيرانية في تركيبتها الحالية السياسية والعسكرية والأمنية والدينية والعقائدية تشبه الإمبراطوريات إلى حد كبير ..أو هي كذلك مجازيا !
خلال التاريخ سقطت إمبراطوريات كبرى وانهارت أو تلاشى بريقها وانحصرت في حدودها الطبيعية ،لكن بعوامل داخلية أولا،وجاءت التأثيرات الخارجية لتكمل المهمة ،ونادرا جدا ما سقطت إمبراطورية معينة بغزو خارجي.
الإمبراطورية الرومانية مثلا لم تسقط بسبب الغزوات الخارجية ،بل أسهمت عوامل داخلية حاسمة في انهيارها،كالفساد الإداري والإنهاك الاقتصادي والصراعات الداخلية على السلطة،فجاءت الغزوات الجرمانية بعد التفكك الداخلي لا قبله،وكان الخارج القاطرة الأخيرة لا السبب الأول.
الإمبراطورية العثمانية أيضا لم تسقط بحرب واحدة،بل عبر تدهور مؤسسات الدولة والأزمات المالية وضعف الإدارة المركزية،وجاءت الحرب العالمية الأولى لتكشف هذا العجز فتنهار وينحصر نفوذها في تركيا الجغرافية لتنشأ بعد ذلك الجمهورية التركية.
الإتحاد السوفياتي لم يسقط بسبب غزو خارجي، بل انهار بقرار داخلي أسهمت عوامل عدة في بعثه ،منها الفشل الاقتصادي وسباق التسلح المُنهِك وفقدان الشرعية الإيديولوجية للحزب الشيوعي الحاكم،وكان الغرب بمثابة المراقب والمحتوي والمؤثر أكثر منه مُسقطا.
الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس لم تهزم عسكريا ،بل تراجعت لأن كلفة السيطرة صارت أعلى من فائدتها وسط تحولات إقتصادية عالمية كبرى، فانسحبت بريطانيا العظمى بهدوء إمبراطوري.
وصولا إلى إيران نفسها..لم تسقط الإمبراطورية الشاهنشاهية من الخارج ،بل أطاحت بها ثورة شعبية داخلية .وإذا كان الإمام الخميني وأعوانه قد قادوا هذه الثورة من الخارج ،فإن هؤلاء كانوا أبناء البيئة وليسوا غزاة خارجيين.
بناء على ما تقدم ،يطرح السؤال نفسه بإلحاح هذه الأيام :هل اختمر سقوط الجمهورية الإسلامية في ظل الإحتجاجات الداخلية والتأثيرات الخارجية التي يعبر عنها الغرب ،خاصة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ظاهريا وبصراحة مطلقة ؟
ثمة عوامل عدة قائمة تنبئ بأن إنهيار النظام الإسلامي في إيران لم تتوفر له بعد الأسباب الموجبة ،على الرغم من الضغوط السياسية والعسكرية والأمنية والإقتصادية والجماهيرية. فالمحتجون في إيران الذين نزلوا إلى الشارع خلال الأسابيع الماضية لم يتجاوز عددهم الثمانين ألفا من أصل تسعين مليونا،كما يؤكد وزير الخارجية الإيرانية عباس عرقجي في لقاء خاص خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت .والرجل عبّر بصراحة عن ارتياح القيادة الإيرانية لمستقبل الأوضاع ،أو على الأقل عدم خوفها من التطورات القائمة ،مشيرا إلى أن وجوده في لبنان في هذه المرحلة العاصفة هو أكبر دليل على ذلك.
كان الرجل واثقا من القدرات الإيرانية،لأن الجمهورية الإسلامية تقاتل بأدوات (عسكرية) هي أنتجتها وأثبتت فعاليتها في حرب الأيام الإثنتي عشرة الأخيرة،مشيرا إلى أن الأدوات المستوردة ضُربت ودُمرت.
إضافة إلى ما تقدم ،ثمة عناصر داخلية إيرانية لا توحي بقرب انهيار النظام ومنها:
أولا: تماسك القوى العسكرية والأمنية الإيرانية.فإيران قادرة على تجنيد نحو مليوني عنصر بين جيش وحرس ثوري و”باسيج” وقوى أمن داخلي في خدمة النظام ،وهذه القوى ما تزال متماسكة ولا شيء يوحي أنها ذاهبة نحو التفكك. وقد ثبت خلال المراحل الماضية التي واجهت الجمهورية الإسلامية فيها احتجاجات في الشارع أن هذه القوى قادرة على ضبط الأمور من دون أن تظهر في داخلها أي إختلالات .فهذه القوى تربت عقائديا خلال العقود الماضية وليس من السهل تفكيكها.
ثانيا :راكمت الجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية خبرة في مواجهة واحتواء الأزمات،وهي اعتمدت في الإحتجاجات الحالية نمطا جديدا في مواجهة المحتجين فأنزلت القوى الأمنية إلى الشارع من دون سلاح لحرصها على عدم سقوط ضحايا من المحتجين بما يشكل ذريعة للداخل والخارج ،وسقط أكثر من مائة ضحية من القوى الأمنية برصاص بعض المحتجين ،وقد عرض عباس عرقجي للسفراء الإجانب في طهران مشاهد واضحة عن استخدام المحتجين للسلاح.
ثالثا: لقد نجح النظام الإيراني في الأسابيع الماضية في تسليط الضوء على التدخل والدفع الخارجيين لتفجير الوضع الداخلي في إيران ، وقدمت الإدارة الأميركية وتصريحات الرئيس ترامب والمسؤولين الإسرائيليين خدمة لإيران في هذا المجال.وقد شكل تماسك الشعب الإيراني ومكوناته السياسية والثقافية خلال الحرب الأخيرة رسالة على أن هذا الشعب يمتلك حسا قوميا رفيع المستوى عندما تصبح البلاد على أعتاب خطر قادم من الخارج.
رابعا : ولعل العنصر الأهم في هذا المجال هو غياب البديل الجامع للنظام الإسلامي الحالي حتى الآن. وليس ظهور رضا بهلوي نجل الشاه السابق على المسرح في هذه المرحلة أكثر من مشهد فولكلوري كأحد أدوات التحريك الداخلي التي استخدمها الغرب،وهي لن تقدم أو تؤخر في تطور الأوضاع الإيرانية.إن سقوط النظام في هذه المرحلة سوف يعكس فوضى جارفة ،ليس في إيران فحسب ،بل في المنطقة أيضا . فهل تريد الولايات المتحدة هذه الفوضى التي ستكون فالتة من أي عقال ؟ وبالتالي هل من مصلحة أميركا إسقاط هذا النظام الذي نجحت في تصويره كفزاعة تشكل أداة إبتزاز أميركي لكل دول المنطقة؟
أمام كل ما تقدم ،ثمة سؤال يضج في أذهان الكثيرين :ماذا تريد الإدارة الأميركية من إيران في هذه المرحلة؟
تريد جرّ إيران صاغرة إلى مفاوضات تقدم فيها تنازلات جذرية في كل المجالات ،بحيث تصبح الجمهورية الإسلامية واحدة من الدول المحيطة بها ،وتتخلى عن كل أدبياتها السياسية والعسكرية،والنماذج واضحة في باكستان وأفغانستان وأذربيجان والهند ،كي لا نقول دول الخليج العربي.
فهل تنصاع إيران للضغوط الأميركية؟


