إنكسار مشروع الهيمنة يفرض واقعا جديدا (أكرم بزي )

كتب اكرم بزي – الحوارنيوز
يمثل اعلان الهدنة الذي صدر عن الرئيس الاميركي دونالد ترامب في 8-4-2026 لحظة تاريخية فارقة في الصراع الاقليمي والدولي، فهي ليست مجرد استراحة محارب او وقفا مؤقتا للعمليات العسكرية، بل هي في جوهرها وثيقة اعتراف اميركية صريحة بانتهاء حقبة التفرد والغطرسة، حيث وجد البيت الابيض نفسه مضطرا للتخلي عن لغة التهديد والوعيد والقبول بامر واقع فرضه محور المقاومة في الميدان.
ان موافقة واشنطن على النقاط العشر الايرانية كقاعدة وحيدة لاي مسار تفاوضي قادم تعني بشكل لا لبس فيه ان خيار القوة العسكرية والضغوط القصوى قد وصل إلى طريق مسدود، وان ارادة الشعوب وصمودها قد انتصرت على ترسانة السلاح ومنظومات الحصار الاقتصادي التي استهدفت كسر كبرياء المنطقة واعادة رسم خارطتها بالحديد والنار.
على المقلب اللبناني، تبدو الصورة اكثر وضوحا لمن يريد ان يقرأ ما بين السطور بعيدا عن التشويش الذي يمارسه البعض في الداخل. فالتدقيق في بنود الاتفاق بنسخه المتعددة يكشف ان المقاومة استطاعت انتزاع اعتراف دولي بمعادلة وحدة الساحات. وادراج الساحة اللبنانية ضمن اتفاق شامل لوقف الحرب والاعتداءات يمثل انهيارا للمشروع الاميركي والاسرائيلي الذي حاول طوال سنوات عزل لبنان والاستفراد به. هذا الترابط العضوي والميداني الذي فرضه المحور جعل من امن المنطقة كتلة واحدة غير قابلة للتجزئة، ما اجبر الادارة الاميركية على الانصياع لشروط المقاومة كمدخل وحيد لتحقيق اي نوع من الاستقرار، وهو ما يضع لبنان امام مرحلة جديدة تتطلب وعيا وطنيا يواكب حجم الانجاز الاستراتيجي المحقق.
وفي ما يخص الامن البحري والسيادة على الممرات المائية، فإن الاقرار الاميركي بالدور القيادي والامني لايران في مضيق هرمز يمثل زلزالا في العقيدة العسكرية الغربية، فالتزام واشنطن بالتنسيق مع القوات المسلحة الايرانية لتنظيم حركة المرور وتأمين الملاحة يعني ان ايران اصبحت رسميا صاحبة الكلمة العليا في اهم شريان للطاقة في العالم، هذا الاعتراف يحول الوجود العسكري الاميركي في مياه الخليج من حالة هجومية واستفزازية إلى مجرد عبء ينتظر ساعة الرحيل، ويؤكد ان سياسة العربدة في الممرات الدولية قد انتهت امام قوة القانون والميدان التي فرضتها طهران، ما يمنح قوى المنطقة قدرة هائلة على التحكم في التوازنات الاقتصادية العالمية وفرض احترام السيادة الوطنية كشرط اساسي للتجارة الدولية.
اما في الملف الاقتصادي، فإن الالتزام بالرفع الفوري والكامل لكافة العقوبات والافراج عن الاموال المحتجزة، جنبا إلى جنب مع الاعتراف بحق ايران في التخصيب النووي، يمثل رصاصة الرحمة على سياسة الحصار الجائر. لقد اثبت محور المقاومة ان الحقوق لا توهب بل تنتزع، وان الصمود امام الضغوط الاقتصادية حول المحنة إلى منحة لفرض واقع سيادي جديد، فاليوم تعود ايران كقوة اقتصادية واقليمية معترف بها دوليا، مع فتح الباب امام تعويضات مالية عن سنوات الحصار، مما يعزز من مكانتها كقطب قائد في المنطقة ويمهد الطريق لمرحلة من الاعمار والتنمية المستدامة التي ستنعكس اثارها على كافة دول المحور، ويؤكد ان زمن الاملاءات المالية والابتزاز عبر العملات الاجنبية قد ولى إلى غير رجعة.
ان هذا الانتصار هو ثمرة تنسيق عالي المستوى وتضحيات جسيمة قدمتها قوى المحور من غزة الصامدة إلى لبنان المقاوم وصولا إلى العراق واليمن، حيث كانت الضربات العسكرية الدقيقة هي القلم الذي كتب مسودة هذا الاتفاق، وحين يقر ترامب بأن المقترح الايراني هو الاساس العملي للحل، فإنه يوقع على شهادة وفاة مشروع الشرق الاوسط الجديد الذي حاولوا تسويقه بالبارود، ان جولة الصراع هذه انتهت بتثبيت توازن قوى جديد، وما سيشهده اجتماع اسلام اباد يوم الجمعة القادم لن يكون الا تثبيتا قانونيا ودبلوماسيا لمكتسبات الميدان، وتوثيقا لنهاية زمن التبعية وبداية عصر السيادة والارادة الحرة التي رسمت ملامحها دماء الشهداء وتضحيات المقاومين.
وبناء على هذه المعطيات الاستراتيجية، يصبح من الضروري والملح في الداخل اللبناني البدء فورا في اجراءات اقالة الحكومة الحالية التي اثبتت فشلها الذريع في حماية مصالح الشعب اللبناني وتورطت في الانحياز للمحور الاميركي، ان العجز الذي اظهرته هذه الحكومة في ملفات النازحين والازمات المعيشية والمالية يتطلب رحيلها لافساح المجال امام قيادة وطنية شجاعة، قيادة تدرك قيمة هذا الانتصار الاقليمي وتعرف كيف تستثمره لبناء دولة قوية وذات سيادة، بعيدا عن الارتهان للخارج او التماهي مع اجندات العدو، فالانتصار في الميدان يجب ان يقابله انتصار سياسي داخلي يحفظ كرامة اللبنانيين ويؤمن مستقبل اجيالهم في وطن سيد حر ومستقل.



