رأي

إمبراطورية بلا أقنعة: أميركا وسقوط العالم تحت الهيمنة (زينب إسماعيل)

 

كتبت زينب اسماعيل – الحوارنيوز

 

منذ نهاية الحرب الباردة، لم تتصرّف الولايات المتحدة كقوة عظمى ضمن نظام دولي متعدّد الأقطاب، بل كسلطة مركزية تسعى إلى إدارة العالم وفق مصالحها الخاصة، مستخدمةً مزيجًا من القوة العسكرية، والضغط الاقتصادي، والأدوات الدبلوماسية، وأحيانًا ما يُسمّى بالفوضى الخلّاقة. ما نشهده اليوم ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل مسارًا واحدًا متصلًا، عنوانه إعادة تشكيل العالم بالقوة.

 

تاريخيًا، لم تكن الولايات المتحدة معنيّة بإسقاط الأنظمة بسبب استبدادها أو انتهاكها لحقوق الإنسان، بقدر ما كانت معنيّة بمدى خضوع هذه الأنظمة لمصالحها الاستراتيجية. من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، تكرّر النموذج نفسه: دعم أنظمة حليفة مهما بلغت وحشيتها، وإسقاط أخرى حين تخرج عن الطاعة. الانقلابات، العقوبات، الحصار الاقتصادي، أو حتى التدخل العسكري المباشر، كلها أدوات في صندوق واحد.

 

شكّل ما سُمّي بـ«الربيع العربي» نقطة تحوّل مفصلية في مسار الهيمنة الأميركية. فبدل أن يكون مسارًا حقيقيًا لتحرّر الشعوب، جرى احتواؤه وتفكيكه وتحويله إلى فوضى طويلة الأمد. في بعض الدول، أُغرِق الحراك في الدم، وفي أخرى جرى تفريغه سياسيًا، وفي حالات معينة استُخدم كمدخل لتدمير الدولة نفسها. النتيجة واحدة: دول منهكة، مجتمعات منقسمة، واقتصادات مدمّرة، وغياب أي مشروع سيادي مستقل.

 

في سوريا، تحوّل الصراع من احتجاجات داخلية إلى ساحة صراع دولي مفتوح. لم يكن الهدف حماية المدنيين ولا دعم الديمقراطية، بل كسر دولة خرجت عن المحور الأميركي، ولو كان الثمن تدميرها بالكامل. تعدّدت الجيوش على الأرض، لكن القرار ظلّ مرهونًا بحسابات واشنطن وحلفائها. وفي لبنان، النموذج أكثر تعقيدًا وخطورة: بلد يُترك على حافة الانهيار الدائم، تُدار أزماته ولا تُحل، ويُستخدم كمساحة ضغط إقليمي، سواء عبر الاقتصاد أو عبر إشعال التوترات الداخلية أو إبقاء خطر الحرب مع إسرائيل قائمًا.

 

أما الحرب بين روسيا وأوكرانيا، فتُعدّ المثال الأوضح على استراتيجية الاستنزاف الممنهجة. لم تكن واشنطن تسعى إلى السلام، بل إلى إطالة أمد الحرب لإضعاف روسيا اقتصاديًا وعسكريًا، حتى لو دُفِعت أوكرانيا نفسها ثمنًا لذلك. السلاح يتدفّق، العقوبات تتوسّع، وأوروبا تُستنزف طاقيًا واقتصاديًا، فيما تُقدَّم الحرب للرأي العام كمعركة قيم، لا كصراع مصالح.

 

في الخليج، لم تكن الخلافات بين السعودية والإمارات أو غيرها خارج السياق الأميركي. إعادة ترتيب التحالفات، ضبط الإيقاع الإقليمي، ومنع أي استقلالية حقيقية في القرار السياسي، كلها عناصر أساسية في الاستراتيجية الأميركية. الصراعات تُدار لا لتُحسم، بل لتبقى تحت السيطرة، بما يضمن استمرار الحاجة إلى الدور الأميركي كوسيط وحامٍ.

 

اليوم، تتكرّر السيناريوهات نفسها في فنزويلا، الدولة التي تُعدّ من أبرز الأمثلة على استهداف أي خيار سيادي خارج الإرادة الأميركية. فنزويلا، بما تمتلكه من ثروات نفطية هائلة، لم تُعاقَب بسبب فشل ديمقراطي بقدر ما عوقبت لأنها حاولت بناء نموذج اقتصادي وسياسي مستقل. العقوبات الأميركية الخانقة لم تستهدف السلطة فقط، بل المجتمع بأكمله، فانهارت العملة، واشتدّ الفقر، وتحوّل الاقتصاد إلى ساحة صراع مفتوحة.

 

وفي تطوّر خطير بعد حدث اليوم المتمثّل بإلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي، تتضح أكثر طبيعة التدخل الأميركي المباشر. فالرسالة السياسية واحدة: لا حصانة لأي قيادة تخرج عن الخط المرسوم. ما يحدث في فنزويلا ليس شأنًا داخليًا، بل نموذجًا يُراد تعميمه، عنوانه كسر الإرادات السياسية عبر تفكيك الدولة من الداخل، واستخدام القانون والمؤسسات كسلاح سياسي، تمهيدًا لإعادة إنتاج السلطة بما يتوافق مع المصالح الأميركية.

 

ما يميّز المرحلة الحالية هو تآكل الدبلوماسية وسقوط الأقنعة. لم تعد الولايات المتحدة حريصة حتى على تغليف سياساتها بالشرعية الدولية. المؤسسات الأممية مشلولة، والقانون الدولي يُطبَّق بانتقائية فاضحة تخدم الأقوياء فقط، فيما تُمنح إسرائيل حصانة مطلقة تتيح لها خوض الحروب، وارتكاب المجازر، وتجاوز كل القرارات الدولية من دون أي مساءلة. إسرائيل هنا ليست دولة خارجة عن النظام، بل أداة وظيفية داخله، تُستخدم لضبط المنطقة، وإبقاء الشرق الأوسط في حالة نزاع دائم، ومنع أي توازن إقليمي حقيقي.

 

في هذا السياق، تُدار أزمات دول مثل لبنان بطريقة تجعل الانهيار حالة دائمة لا انفجارًا نهائيًا. الاقتصاد يُترك ينهار، العملة تُستنزف، والمجتمع يُدفع إلى صراعات داخلية، فيما يبقى شبح الحرب مع إسرائيل حاضرًا كوسيلة ابتزاز سياسي مستمر. وحين تنشغل الشعوب بلقمة عيشها، يصبح القمع أسهل، والمواجهة أصعب، والسيطرة أكثر فاعلية.

 

هذا الواقع يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة. حين تنهار الاقتصادات، وتُستنزف الدول، وتُغلق آفاق التغيير السلمي، تصبح الحروب أكثر احتمالًا. الحديث عن حرب عالمية ثالثة لم يعد مجرّد تهويل، بل توصيف لمسار يتشكّل تدريجيًا، بحروب متفرقة، ونزاعات بالوكالة، وانفجارات مؤجّلة.

 

أمام هذا المشهد، لا يمكن التعويل على حلول فردية أو محلية، ولا على نخب سياسية أثبتت عجزها أو ارتهانها. المطلوب مقاومة أممية حقيقية، لا تقوم فقط على الشعارات، بل على وعي سياسي عابر للحدود، يكشف آليات الهيمنة، ويربط بين معاناة الشعوب في الجنوب والشرق والغرب على حدّ سواء.

 

هذه المقاومة تبدأ بإعادة تعريف العدو الحقيقي: ليس دولة بعينها فقط، بل منظومة كاملة تقوم على نهب الثروات، وتفكيك المجتمعات، وتحويل الحروب إلى أدوات إدارة. مقاومة ترى في فلسطين، وفنزويلا، ولبنان، وأوكرانيا، وأفريقيا، حلقات في سلسلة واحدة، لا ملفات منفصلة.

 

الخاتمة ليست دعوة رومانسية، بل ضرورة تاريخية. فالغطرسة الأميركية، حين تُواجَه بالصمت، تتحوّل إلى قدر. وحين تُواجَه بالانقسام، تزداد شراسة. وحده الوعي الجماعي، والتنظيم، والتضامن الأممي، قادر على كسر منطق الهيمنة. العالم يقف اليوم على حافة مرحلة أكثر دموية، وأشدّ قسوة، لكن التاريخ لم يُكتب يومًا بإرادة الأقوى وحده، بل بلحظة تمرّد من ظنّهم بلا حول ولا قوة.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى