دولياتسياسة

إعادة التموضع العالمي في ظل فوضى ترامب ( عماد عكوش)

 

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز

 

ما تشهده الساحة الدولية اليوم لا يمكن اختزاله في اتفاق تجاري هنا أو توتر سياسي هناك. نحن أمام عملية إعادة تموضع عالمية صامتة، تتقدّم ببطء ولكن بثبات، وتدور حول سؤال واحد وهو هل لا تزال الولايات المتحدة الأميركية شريكاً موثوقاً، أم تحوّلت إلى مصدر مخاطر بنيوية؟

ان الاتفاق الأوروبي الهندي الذي وُقّع في نيودلهي ليس حدثاً تقنياً في التجارة الدولية ، بل إشارة استراتيجية إلى أن قوى كبرى باتت تختبر ، لأول مرة بجدية ، إمكانية العمل ضمن نظام عالمي أقل تمحوراً حول واشنطن.

من الناحية الاقتصادية البحتة ، لا يشكّل الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي والهند إعلان حرب على أميركا ، لكنه يحقق ثلاثة أهداف جوهرية:

1.    تقليص الاعتماد على السوق الأميركية كمصدر للنمو.

2.    إعادة توجيه سلاسل التوريد بعيداً عن بيئة تجارية مسيّسة.

3.    تقليل التعرّض للدولار في التجارة والاستثمار على المدى المتوسط.

ان خفض الرسوم على السيارات الأوروبية من 110% إلى 10%. وخفض الرسوم على النبيذ من 150% إلى ما بين 20% و30% كمثال على حجم هذه التخفيضات وإلغاء الرسوم على اكثر من 90% من تجارة السلع ، وفتح الأسواق أمام المجوهرات والمنسوجات الهندية، لا يعني فقط تحرير تجارة، بل تحرير قرار اقتصادي من ابتزاز الرسوم والعقوبات. أن اهمية هذه التحركات انها تتزامن مع بيع تدريجي للسندات الأميركية ، زيادة احتياطيات الذهب لدى المصارف الاوروبية ، توسيع أنظمة المقايضة الثنائية ، واعتماد متزايد على تسويات تجارية بعملات محلية ، وهي مؤشرات لا تعني انهيار الدولار، لكنها تعني تآكل احتكاره.

سياسياً، المشكلة الأوروبية مع واشنطن ليست في اختلاف المصالح، بل في غياب القابلية للتنبؤ في عهد دونالد ترامب . فحين تتحول الاتفاقيات إلى أوراق ضغط ، والرسوم إلى عقاب سياسي ، والحلفاء إلى أدوات تفاوض فإن الثقة وهي رأس المال الحقيقي في العلاقات الدولية تبدأ بالتآكل.

ما يحدث اليوم ليس قطيعة دبلوماسية، بل تفريغ تدريجي للتحالف من مضمونه السياسي ، واستبداله بشبكة علاقات أكثر توازناً وأقل خضوعاً لمزاج الإدارة الأميركية.

أما بالنسبة للبعد الأمني فأوروبا لا تستطيع اليوم او حتى في المدى المنظور الانفصال الكامل عن الولايات المتحدة الاميريكية ومن الخطأ الاعتقاد أن أوروبا قادرة أو راغبة في فك ارتباط كامل مع الولايات المتحدة. فالواقع الاستراتيجي يفرض حقائق واضحة وهي ان حلف شمال الأطلسي لا يزال الركيزة الأساسية للردع الأوروبي ، كما ان القدرات النووية الأميركية تشكّل مظلة لا بديل أوروبياً عنها حالياً ، والاستخبارات، الأقمار الصناعية، والقيادة والسيطرة ما زالت أميركية في جوهرها ، لذلك فأن أي انفصال أمني كامل سيكون مكلفاً وخطِراً، خصوصاً في ظل الحرب في أوكرانيا ، عدم استقرار الشرق الأوسط ، وصعود الصين كقوة عسكرية كبرى . لهذا، ما تفعله أوروبا ليس فك ارتباط أمني، بل شراء وقت لبناء قدراتها الذاتية.

السؤال الاساسي اليوم هل يمكن أن تخرج أوروبا من الاتفاقيات مع أميركا؟

من الواضح ان الخروج القانوني الشامل غير مرجّح في الأجل القصير. لكن الأخطر هو ما يحدث فعلياً ، اتفاقيات قائمة… دون توسعة ، شراكات مجمّدة… دون إنهاء ، وتعاون شكلي… دون ثقة ، وهذا هو الانسحاب الصامت. بهذه الحالة أوروبا لا تحرق الجسور، لكنها تتأكد من أن لديها طرقاً بديلة إذا انهارت علاقتها بالكامل مع الولايات المتحدة الاميريكية .

يبقى ان نقول بان المخاطرة الكبرى هو تحقق القاعدة التاريخية وهي أن القادة الشعبويين، حين تضيق خياراتهم الاقتصادية، يميلون إلى الهروب إلى الخارج عبر التصعيد العسكري. في هذا السياق، فإن أي اندفاع أميركي نحو مواجهة مع إيران لا يمكن فصله عن الضغوط الاقتصادية ، التراجع المعنوي العالمي ، والحاجة إلى فرض صورة القوة . لكن من منظور أمني متروي ، فإن أي صدام واسع في الشرق الأوسط اليوم لن يعيد الثقة بأميركا، بل يسرّع خروج العالم من فلكها.

باختصار فان ما يجري ليس انهياراً لأميركا ، ولا انتصاراً فورياً لخصومها ، بل إعادة توازن قسرية فرضتها سياسات غير مستقرة . العالم لا يعاقب واشنطن، بل يتكيّف مع مخاطرها ، وأوروبا بحسابات هادئة ، تسير على خط دقيق وهو تقليل الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة الاميريكية ، الحفاظ على المظلة الأمنية ، وبناء بدائل استراتيجية بهدوء . أما الولايات المتحدة، فهي أمام معادلة بسيطة إما استعادة دور الشريك القابل للتنبؤ بخططه واستراتيجياته أو التحول إلى قوة يُحسب حسابها… لكن لا يُعتمد عليها ، وهذا، في ميزان الجيوبوليتيك، أخطر بكثير من العداء الصريح.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى