
بقلم د. سعيد عيسى – الحوارنيوز
يقف قطاع الاتصالات في لبنان اليوم عند مفترق حاسم. بين وعود “التحديث السريع” التي تَعِدُ بشبكات ألياف ضوئية وخدماتالجيل الخامس وحوكمة أفضل، وبين مخاطر “التصفية المقنّعة” التي تُلوّح بها مشاريع هيكلة متسرّعة، يلوح سؤال بسيط في ظاهره وعميق في جوهره: كيف نُحدِّث من دون أن نهدم؟ وكيف نُنقذ من دون أن نُقصي؟
لا خلاف على الحاجة إلى تحديث الشبكات. يحتاج لبنان إلى ألياف حديثة، وإلى جيل خامس يفتح أبواب الاقتصاد الرقمي، وإلى إدارة شفافة تُنهي الهدر. لكن الخلاف يبدأ حين يُطرَح التحديث على حساب نحو 2500 موظف في «أوجيرو»، وحين يُقدَّم سحق حقوقهم كشرطٍ تقني أو مالي لا مفرّ منه. من دون هؤلاء الموظفين لا تحديث ولا استمرارية خدمة، ومن دون عدالة اجتماعية يتحوّل أي إصلاح إلى قفزة في المجهول.
هؤلاء الموظفون ليسوا أرقاماً في جداول الكلفة. هم ذاكرة الشبكات وخطّ الأمان اليومي. هم من يُبقون السنترالات حيّة، ويُصلحون الأعطال تحت المطر، ويُديرون الانتقال المعقّد من النحاس إلى الألياف. أي صرفٍ أو تحويل قسري إلى عقود خاصة لا يعني فقط خسارة وظائف، بل خسارة خبرات نادرة، وإضعاف التنظيم النقابي، وتعريض الخدمة للاهتزاز في المدارس والمستشفيات والإدارات. حماية حقوقهم ليست مطلباً فئوياً، بل شرطٌ لاستدامة خدمة عامة باتت اليوم بنية تحتية لا تقلّ أهمية عن الماء والكهرباء.
المشكلة أنّ ما يُناقَش تحت عنوان “الإصلاح” يسير غالباً في اتجاه معاكس. نقل أصول «أوجيرو» إلى شركة مساهمة جديدة، وتداول نسب شراكات خاصة وحقوق تشغيل طويلة الأمد، في بيئة سعر صرف منهار، يفتح باب التخمين المتدنّي للأصول العامة. النتيجة المتوقعة، مكاسب غير عادلة للداخلين الجدد عند التعافي، وبيعٌ مؤجَّل بثمنٍ بخس. الأخطر من ذلك ترسيخ احتكار فعلي للبنية الأساسية-الألياف، البوابة الدولية، وحقوق 5G— بيد كيان واحد وشريك خاص، ما يخنق المنافسة ويرفع الأكلاف على المستهلكين والاقتصاد.
ويُستدعى القانون أحياناً كغطاء. تُطرَح المادة 49 من قانون تنظيم الاتصالات كأداة “لخفض الكلفة”، فيما تُستخدم عملياً لتبرير صرف جماعي وتعويضات لا تواكب التضخم، أو لإعادة توظيف بعقود خاصة تُقلّص الحماية النقابية. هذا ليس إصلاحاً، بل تفكيكٌ اجتماعي ينعكس مباشرة على جودة الخدمة واستقرارها.
ثمّة بُعد آخر لا يقل خطورة وهو السيادة الرقمية. من يملك بيانات المشتركين؟ أين تُستضاف؟ من يضع معايير أمن المعلومات؟ أي هيكلة لا تُحاط بسياسة وطنية مُحكمة لحوكمة البيانات ومراكز الاستضافة والتدقيقات الأمنية المستقلة، تُعرّض خصوصية اللبنانيين وسلامتهم الرقمية للخطر.
البديل موجود، ومساره واضح. إنقاذ الاتصالات لا يبدأ بالتصفية، بل بخطة انتقال عادلة ومسؤولة. أولها وقف الخطوات غير القابلة للرجوع، تجميد أي نقل ملكية أو إدارة للأصول إلى حين استكمال تدقيق مستقل شامل، ونشر أنظمة الحوكمة والمسودات التعاقدية لرقابة مجتمعية وبرلمانية حقيقية، وتدقيق تضارب المصالح في اختيار المستشاري.
وثانيها تقييمٌ عادل يحمي المال العام، تقييم مزدوج مستقل للأصول المادية وغير الملموسة بمنهجيات مُعلنة، وحظر تمويل الانتقال عبر اقتطاعات غير شفافة، وربط أي مشاركة للدولة بإطار مساءلة صارم.
أما قلب الخطة فهو العمل. تعليق أي صرف جماعي، ربط التعويضات بمؤشر تضخم وسعر صرف واقعي، وبرنامج انتقال وظيفي ملزم يضمن توصيفات محدّثة وأجوراً عادلة وحماية نقابية وتأمينات مكافئة، مع حق الرفض من دون خسارة الحقوق المكتسبة. وإلى ذلك، صندوق تدريب وإعادة تأهيل لتحديث المهارات على الألياف و5G، بأولوية توظيف للعاملين الحاليين في أي عقد إدارة.
ولكي لا يتحوّل التحديث إلى احتكار، لا بد من سوقٍ مفتوحة، نفاذ عادل للألياف بتعرفة شفافة، فصل بنيوي بين مالك البنية التحتية ومقدّمي الخدمات، وسقوف زمنية وجغرافية للحصريات، مع ضمان نفاذ متساوٍ إلى البوابة الدولية.
وأخيراً، شراكة اجتماعية مُلزمة. لجنة مشتركة تضم الجهات المعنية والنقابة وخبراء مستقلين لصوغ “ميثاق انتقال” خلال مهلة واضحة، يوازن بين الاستثمار والعدالة الاجتماعية، ويُخرج الإصلاح من غرف مغلقة إلى فضاء الثقة العامة.
الخلاصة بسيطة بقدر ما هي حاسمة، المطلوب ليس تعطيل التحديث بل إنجاحه. التجارب تُظهر أن الخصخصة المستعجلة في زمن الأزمات تفضي غالباً إلى بيعٍ متدنٍ للأصول واحتكارات طويلة وعطبٍ في الخدمة. في المقابل، التحديث القائم على الشفافية ومنع الاحتكار وحماية حقوق الموظفين يخلق قيمة مستدامة، شبكة ألياف مفتوحة تُحفّز الابتكار، و5G تخدم الإنتاج لا الريع، وقطاعاً متوازناً يُحسّن الخدمة ويُخفّض الأكلاف.
الدفاع عن موظفي «أوجيرو» اليوم هو دفاعٌ عن حق اللبنانيين باتصال موثوق وحديث، وعن كل ليرة من المال العام، وعن سيادة بياناتنا. لا تحديث بلا عدالة. ولا عدالة من دون موظفين آمنين وكرامةٍ مصانة.



