أعداد حوادث السير والضحايا الى ارتفاع.. ماذا عن الارقام والمعالجات؟(زينب عوالي)

كتبت زينب عوالي – الحوارنيوز

في بلدٍ اعتاد أبناؤه التعايشَ مع المخاطر، يبقى الموتُ على الطُّرقات أحدَ أكثرِ العواملِ تهديدًا للحياة. فعلى مدار أعوامٍ، لم يكن المواطنُ اللبناني مهدَّدًا بالموتِ فقط بفعلِ الحروبِ الداخليّة أو الاعتداءاتِ الخارجيّة، بل أصبح أيضًا عرضةً لخطرٍ يوميٍّ لا يقلّ فتكًا، يتمثّل في حوادثِ السَّير التي تحصدُ الأرواح وتخلّفُ إصاباتٍ دائمة، في ظلّ بنيةٍ تحتيّةٍ متردّية، وتراخٍ في تطبيق القوانين، وثقافةٍ مروريّةٍ هشّة.
ويُعَدّ لبنان من أكثرِ البلدان تسجيلًا لحوادثِ السَّير مقارنةً بمساحتِه الجغرافيّة وعددِ سكّانِه، إذ لا يمرّ يومٌ واحدٌ من دون تسجيلِ عدّةِ حوادثَ مروريّة تترافقُ مع ضحايا وجرحى. وتشير تقديراتُ منظّمة الصحّة العالميّة إلى أنّ معدّل وفيّات الحوادث المروريّة في لبنان يبلغ نحو 9.7 وفيّات لكلّ 100 ألف نسمة، مقابل 6.7 وفيّات لكلّ 100 ألف نسمة في أوروبا، ما يعكس فجوةً واضحة في مستوى السلامة المروريّة.
وبحسب هيئة إدارة السَّير والآليّات والمركبات، سُجِّل في لبنان 2038 حادثًا مروريًّا و368 قتيلًا حتّى تاريخ 30 تشرين الثاني 2025 في مختلف المناطق اللبنانيّة. ويُظهر ذلك ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الحوادث خلال عام 2025 مقارنةً بعام 2024، الذي سُجِّل فيه نحو 1990 حادثًا حتّى 31 كانون الأوّل. ويشير تصاعد هذه الأرقام إلى ازدياد المخاطر على الطُّرقات، في ظلّ واقعٍ معيشيٍّ وأمنيٍّ متدهور.
وفي هذا السياق، يوضح مؤسِّس جمعيّة «اليازا»، الدكتور زياد عقل، في حديثٍ لصحيفة «اللِّواء»، أنّ حوادث السَّير في لبنان تقف خلفها مجموعةٌ من الإشكاليّات المتراكمة، أبرزها توقّف المعاينة الميكانيكيّة، ما أدّى إلى تراجعٍ حادّ في صيانة المركبات. ويضيف أنّ الغياب شبه التام لقوى الأمن الداخلي عن ضبط المخالفات المروريّة الخطِرة، كالسَّير عكس الاتّجاه أو تجاوز السُّرعة المفرطة، ساهم في تفاقم هذه الظاهرة.
ومن جانبه، يوضح الباحث في «الدوليّة للمعلومات»، محمّد شمس الدين، أنّ من أبرز الأسباب التي تؤدّي إلى تفاقم حوادث السَّير سوء حالة الطُّرقات، وضعف الإنارة، إضافةً إلى القيادة تحت تأثير الكحول أو المخدّرات.
ورغم أنّ لبنان شهد في نهاية عام 2025 انطلاقةَ عملٍ أكثر جدّيّة لوزارة الداخليّة والبلديّات، ترافقَت مع تشديدٍ أمنيٍّ من قِبَل قوى الأمن الداخلي في ما يتعلّق بتسجيل المركبات، والمعاينة الميكانيكيّة، ورُخَص السَّوق، إلّا أنّ التحدّيات لا تزال قائمة. وفي هذا الإطار، أشار نقيب مدارس السَّوق في لبنان، حسين حيدر، خلال استضافته في برنامج «الإنسان والمجتمع»، إلى حزمةٍ من الإصلاحات التي نُفِّذت خلال عام 2025 بهدف تعزيز سلامة المواطنين على الطُّرقات.
وأوضح حيدر أنّ من بين هذه الإجراءات اعتماد «إفادة السَّوق»، التي يتحمّل مكتب السَّوق مسؤوليّتها القانونيّة في حال توقيعها لمواطنٍ غير مؤهّل للحصول عليها، لافتًا إلى أنّ المرحلة المقبلة ستشهد تشدّدًا أكبر في منح رُخَص السَّوق، وتنظيمًا أكثر صرامة في آليّة ترخيص مدارس السَّوق، بما يشمل تجديد دفاتر السَّوق وفق معايير أدقّ.
ولا يمكن إغفال دور القطاع التربوي في المساهمة في الحدّ من حوادث السَّير، لا سيّما أنّ أحد أهمّ أسس تنظيم السَّير والحفاظ على السلامة المروريّة يرتكز على وعي المواطن وثقافته. وتنبع هذه الثقافة من التعليم المبكر، عبر ترسيخ المبادئ الأساسيّة للسلامة المروريّة لدى الأطفال منذ الصغر، وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم أثناء استخدام الطُّرقات وقيادة المركبات مستقبلًا، إلى جانب تعزيز احترام قوانين السَّير وفهم الإشارات المروريّة، بما يساهم في بناء جيلٍ واعٍ ومثقّف، قادرٍ على المساهمة الفعّالة في تخفيف حدّة أزمة حوادث السَّير على المدى الطويل.
في الختام لا يمكن إعتبار حوادث السير في لبنان أقداراً عابرة، بل هي نتيجةٌ مباشرة لتراكم الإهمال، وضعف التخطيط، وغياب التطبيق الصارم للقوانين، إلى جانب الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة الخانقة. وتبقى هذه الأرقامُ انعكاسًا لواقعٍ متردٍّ يرزحُ تحتَه المواطنُ اللبناني، المثقلُ بأعباء يعيشها يوميًّا. ورغم تعدّد الأزمات وتشابكها، يبقى المواطنُ الضحيّةَ الوحيدة في مواجهة سوء الأوضاع العامّة وتدهور واقع البلاد.



