
بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
يبدو ومن خلال كل التصريحات السياسية اننا ذاهبون الى حرب تمتد الى اكثر من 15 يوماً ، عندها لن نكون أمام “هزة أسعار” عابرة، بل أمام صدمة طاقة وتجارة وتأمين وشحن تبدأ بالنفط ، ثم تنتقل إلى البنزين والديزل ، ثم إلى التضخم ، ثم إلى النمو ، ثم إلى الموازنات العامة والديون في المنطقة والعالم . الخطر هنا ليس فقط في عدد الأيام ، بل في أن استمرار القتال يرفع احتمال تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، وهو ممر عبره في 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً ، أي ما يوازي نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية ، فضلاً عن حصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال . كما أن التطورات الأخيرة أظهرت بالفعل خفضاً في الإنتاج أو إعادة إدارة للإنتاج في الكويت والإمارات ، وتحذيراً قطرياً من أن استمرار الحرب قد يفرض وقفاً واسعاً للصادرات الخليجية خلال أسابيع.
ماذا سيحصل لسعر برميل النفط ؟
السيناريو المرجّح إذا استمرت الحرب لأكثر من 15 يوماً هو انتقال السوق من مرحلة “علاوة مخاطر جيوسياسية” إلى مرحلة “تسعير نقص فعلي وممتد في المعروض”. فقد أشارت تقديرات غولدمان ساكس إلى أن النفط قد يتجاوز 100 دولار إذا لم تتعافَ تدفقات هرمز، بل حذّرت تقارير أحدث من إمكان بلوغ 150 دولاراً إذا طال التعطل واتسعت الإغلاقات والإصابات في البنية التحتية والطاقة والشحن . لذلك ، في حال استمرار الحرب أكثر من 15 يوماً ، أرى أن النطاق الأكثر ترجيحاً يصبح 100 و 120 دولاراً لبرنت ، أما إذا تعطل هرمز بصورة أعمق أو توقفت صادرات خليجية إضافية ، فقد نكون أمام 130 و 150 دولاراً لفترة من الزمن.
ماذا سيحصل لسعر البنزين والديزل في الولايات المتحدة؟
الولايات المتحدة أقل تعرضاً من آسيا وأوروبا من زاوية الإمداد المباشر، لكنها ليست محصّنة من سعر النفط العالمي، لأن المستهلك الأميركي يشتري وقوداً مسعّراً على اسا السعر العالمي . آخر البيانات المتاحة من AAA أظهرت أن متوسط البنزين العادي ارتفع إلى 3.25 دولار للغالون في 5 آذار، بينما تُظهر بيانات EIA للأسبوع المنتهي في 2 آذار أن متوسط البنزين الأميركي كان 3.015 دولار/غالون ومتوسط الديزل على الطرق 3.897 دولار/غالون. ومع استمرار الحرب فوق 15 يوماً وصعود برنت فوق 100 دولار، يصبح مرجحاً أن يتحرك البنزين الأميركي نحو 3.50–4.00 دولار/غالون، وأن يرتفع الديزل نحو 4.20– 4.80 دولار/غالون، مع إمكان تجاوز هذه المستويات إذا اقترب النفط من 130–150 دولاراً.
الديزل أخطر اقتصادياً من البنزين في هذه المرحلة، لأن ارتفاعه لا يضغط فقط على المستهلك الفردي، بل يرفع كلفة الشحن بالشاحنات، والزراعة، والبناء، وسلاسل الإمداد. لذلك فإن أثر الحرب على أميركا لا يتوقف عند محطة الوقود، بل يمتد إلى أسعار الأغذية والسلع المنقولة والخدمات اللوجستية، ما يجعل الصدمة أوسع من مجرد غضب المستهلك من أسعار البنزين.
كيف سيؤثر ذلك على معدل التضخم؟
.
إذا استمرت الحرب لأكثر من 15 يوماً وارتفع النفط إلى 100–120 دولاراً، فالأرجح أن يرتفع التضخم الأميركي بنحو 0.3 إلى 0.7 نقطة مئوية فوق المسار الذي كان متوقعاً قبل الحرب، مع خطر أكبر إذا استمر الارتفاع عدة أشهر. أما عالمياً، فقد أشارت المديرة العامة لصندوق النقد إلى أن زيادة مستدامة للطاقة بنسبة 10% لمدة عام يمكن أن تضيف نحو 0.4 نقطة مئوية إلى التضخم وتخفض النمو بنحو 0.1 – 0.2 نقطة مئوية. أي أن استمرار الحرب لا يعني فقط وقوداً أغلى، بل يعني أيضاً تأخيراً في خفض الفائدة، وتشديداً مالياً أطول، وضغطاً إضافياً على الأسر والشركات.
كيف سيؤثر ذلك على الداخل الإسرائيلي اقتصادياً؟
المشكلة الأعمق أن استمرار الحرب لأكثر من 15 يوماً يحوّل الاقتصاد الإسرائيلي من اقتصاد يعمل تحت “صدمة أمنية” إلى اقتصاد يعمل تحت شلل جزئي مزمن. فعندما تتوقف المدارس، يتعطل جزء من قوة العمل بسبب رعاية الأطفال. وعندما يستمر استدعاء الاحتياط ، تنتقل الصدمة من الجيش إلى سوق العمل والإنتاج. وحين ترتفع مخاطر الصواريخ ، يتراجع الاستهلاك الخاص والاستثمار الخاص معاً ، لأن الشركات تؤجل التوظيف والتوسّع، والأسر تؤجل الإنفاق غير الضروري. وهذا يضرب قطاعات التكنولوجيا، التجزئة، الطيران، المطاعم، العقار، والسياحة الداخلية والخارجية في وقت واحد. ما نراه هنا هو اقتصاد حرب بتكاليف يومية مرتفعة وليس مجرد تباطؤ عابر.
كم ستبلغ الكلفة الاقتصادية على الكيان الإسرائيلي؟
وزارة المالية الإسرائيلية قدّرت أن الضرر الاقتصادي من الحرب الجوية مع إيران قد يتجاوز 9 مليارات شيكل أسبوعياً، أي نحو 2.93 مليار دولار أسبوعياً . وإذا استمرت الحرب أكثر من 15 يوماً فهذا يعني نظرياً كلفة مباشرة وغير مباشرة تقارب 19–20 مليار شيكل خلال 15 يوماً فقط، أي ما يوازي تقريباً 6.1–6.3 مليارات دولار على هذا المعدل. وإذا امتدت إلى شهر كامل فنحن نتحدث عن نحو 36 – 40 مليار شيكل، أي قرابة 12 مليار دولار أو أكثر، من دون احتساب السيناريو الأسوأ إذا توسعت الأضرار المادية وازدادت إصابات البنية التحتية والمطارات والمرافئ وتعاظمت كلفة التعويضات.
وهناك رقم فرعي مهم حيث ان رويترز نقلت أيضاً أن استدعاء 100 ألف جندي احتياط يكلف الدولة نحو 100 مليون شيكل يومياً بين أجور وغذاء وإيواء. هذا ليس البند الأكبر، لكنه يوضح كيف تتحول الحرب الطويلة إلى استنزاف مالي يومي. وعليه، في تقديري كاقتصادي، إذا تجاوزت الحرب 15 يوماً ووصلت إلى شهر مع بقاء القيود على النشاط الداخلي، فإن الكلفة الاقتصادية الكلية على إسرائيل قد تدخل نطاق 12 إلى 18 مليار دولار بين خسائر نشاط ، إنفاق عسكري إضافي ، تعويضات ، وتراجع في الإيرادات الضريبية. أما إذا توسعت الحرب أكثر وضُربت منشآت حيوية أو استمرت التعبئة لفترة أطول ، فقد ترتفع الكلفة فوق ذلك بوضوح.
ماذا سيحصل لدول الخليج وكيف ستتأثر؟
دول الخليج تواجه مفارقة قاسية فسعر النفط الأعلى يفيدها مالياً على الورق، لكن الحرب الطويلة قد تمنعها من جني هذه الفائدة فعلياً. السبب أن المشكلة لا تصبح سعر البرميل فقط، بل القدرة على إنتاجه وتصديره وتأمينه وشحنه. التطورات الحالية تُظهر بالفعل أن الكويت خفضت الإنتاج وأعلنت القوة القاهرة، وأن أبوظبي تعيد إدارة إنتاجها البحري بسبب قيود التخزين، وأن السعودية تعيد توجيه شحنات عبر ينبع، لكن هذه المسارات البديلة لا تعوض بالكامل المرور عبر هرمز. كما حذّرت قطر من أن استمرار الحرب قد يفرض وقفاً أوسع للصادرات خلال أسابيع.
لذلك سيكون التأثير الخليجي على مرحلتين. في المرحلة الأولى سترتفع الإيرادات نظريا” مع ارتفاع اسعار النفط ، وتتحسن الموازنات إذا ظلت الصادرات ممكنة ولو جزئياً. في المرحلة الثانية إذا طال النزاع وتعطلت الصادرات فعلاً، تتحول الفائدة إلى ضرر مزدوج فخسارة كميات مصدّرة، وارتفاع كلفة التأمين، وارتفاع كلفة حماية المنشآت، وربما تراجع الإنتاج نفسه بسبب امتلاء التخزين أو الضربات أو الإغلاقات الاحترازية. عندها يصبح الخليج أمام خسارة حجم قبل أن يكون أمام ربح سعر. وهذا أخطر بكثير على الدول الأكثر اعتماداً على التصدير البحري السريع وعبر نقطة الاختناق نفسها. هناك امر بالغ الخطورة لا يتم الحديث عنه وهي البنية التحتية للمياه المحلاة . تقارير حديثة نبّهت إلى أن تهديد منشآت التحلية في الخليج قد يفتح جبهة أمن اقتصادي ومعيشي تتجاوز النفط نفسه.
في النهاية إذا استمرت الحرب أكثر من 15 يوماً ، فالأرجح أننا سنشهد أزمة اقتصادية عالمية تطال العالم اجمع .



