سياسةصحفمحليات لبنانية

آلهة النار على أبوابنا(نبيه البرجي)

 

الحوارنيوز – صحافة

 

تحت هذا العنوان كتب نبيه البرجي في صحيفة الديار:

لا العالم يمكن أن يساق بالعصا الأميركية الى ما لا نهاية، ولا الشرق الأوسط أيضاً يمكن أن يساق بالعصا الاسرائيلية الى ما لا نهاية. هذا منطق الأشياء بل هذه قوة الأشياء. ولكن ما نراه على الأرض يشي بألاّ وجود للعالم العربي، اذ من يتصور أن أحمد أبو الغيط الذي بمواصفات الدجاجة يمكن أن يكون بقامة طارق بن زياد، ولا وجود للعالم الاسلامي كمصطلح فضفاض وفوضوي، بعدما تمكن القادة، ومن زمن الخلفاء، وبالتواطؤ مع الفقهاء الخارجين للتو من كهوف تورا بورا، من تحويل الاسلام الى الى ايديولوجيا للقهر ولقطع الرؤوس…

لكننا الآن أمام واقع لا يمكن دحره، ولا كسره. أكثر بكثير من أن تكون أمبراطورية يوليوس قيصر أو أمبراطورية جنكيز خان. هنا أمبراطورية تغطي، بالأحذية الثقيلة، الكرة الأرضية، اضافة الى الكواكب الأخرى، حتى أن ليو شتراوس الذي وصفها بـ”أمبراطورية الله” (والواقع أمبراطورية ما بعد الله)، لم يتردد في القول ان جنود المارينز حلوا محل الملائكة!

لا يمكن الاعتقاد أن ما تقوم به اسرائيل في الجنوب اللبناني، بوجه خاص، يرمي الى الضغط فقط لنزع سلاح “حزب الله”. هل أن شاليهات الخيام التي فجرتها أول أمس، أنفاق أو ثكنات للحزب الذي لم يقترب منها يوماً. الهدف تحويل الجنوب الى محمية اسرائيلية، أو الى منطقة عازلة لا أثر فيها الحياة. انه التأويل البربري للنص التوراتي.

الهدف الايديولوجي والاستراتيجي يتعدى عقد معاهدة للسلام بل معاهدة للاستسلام. تحويل الجمهورية التي تدار بمنطق المغارة لا بمنطق الدولة، وقلناها مرات ومرات، الى قهرمانة لهيكل سليمان، اذا ما تذكرتم أن أحيرام بناه بخشب الأرز، دون أن يتمكن الملك العبراني من سداد كامل التكلفة، فاقتطع 7 قرى في الجليل للملك الفينيقي.

دائماً مثالنا في سوريا التي تدار الآن بالريموت كونترول الأميركي، لتكون الأداة في خدمة الاستراتيجيات كما المصالح الأميركية في المحيط. عقب زيارة الرئيس أحمد الشرع لموسكو والبحث في تزويد الجيش السوري بالأسلحة، ما دامت الولايات المتحدة تمتنع عن ذلك، بادر عضو الكونغرس جو ويلسون، وهو رفيق السيناتور لندسي غراهام (الحاخام الأكبر في الكابيتول) في تمثيل ولاية كارولينا الجنوبية، الى الدعوة لعقد جلسة استماع يوم الثلاثاء المقبل حول ازالة القواعد العسكرية الروسية في سوريا.

عبر منصة اكس قال “لقد أظهرات الحكومة السورية الكثير من التعاون، وكانت شريكاً رائعاً للرئيس دونالد ترامب”، معتبراً “أن ازاحة روسيا تنشر الأمان في المنطقة وتعيق قدراتها على استمرار نشر الفوضى في افريقيا والشرق الأوسط”، ومع علمنا وذهولنا لأن قاعدة حميميم الجوية، وقاعدة طرطوس البحرية، لم تحاولا مرة التصدي للطائرات اسرائيلية وهي تضرب قلب دمشق أو للمدمرات الاسرائيلية وهي تضرب أهدافا ساحلية.

ليست ثقافة القوة بل ثقافة القهر. في وصفه لأحد فصول الحرب الأميركية على فيتنام، كتب وان تين زونغ عن “آلهة النار الذين على أبوابنا”. ذاك التقاطع بين الجنون الأميركي والجنون الاسرائيلي الذي يتوخى تعرية بلدان المنطقة من كل امكانات القوة (باستثناء السلاح الخاص بالحروب الداخلية). هكذا لتتحول دولنا الى “حظائر للماعز”. بعد وزير سابق، ها أن قاضياً سابقاً يهدد بدبابات مرهف أبو قصرة (وما أدراك من هو وما هو مرهف أبو قصرة!) للزحف الى الضاحية لتدميرها على رؤوس أهلها. لا أحد من المسؤولين اعترض، لا بل أن كل شيء يشي بأن الكثيرين من رجال السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، يراهنون على حصول ذلك. أهلاً بالدبابات السورية في الداون تاون. فقط في الداون تاون؟!

أمام هذه الغرنيكا اللبنانية، وحيث الجميع ذئاب الجميع، والى حد التواطؤ مع قوى خارجية على قوى داخلية لازالتها من الوجود، يؤخذ على الشيخ نعيم قاسم رفع الصوت. هل يفترض به أن ينثر الورود على دبابات الجنوب وعلى دبابات الشمال لكي يستقيم المشهد اللبناني ونكون بيفرلي هيلز الشرق الأوسط ما دامت غزة ستتحول من مقبرة للفلسطينيين (وللدولة الفلسطينية) الى ريفييرا الشرق الأوسط، مع اقتناعنا بأن المقاومة لا تزال قادرة على مواجهة أي اجتياح ومن أي جهة كان.

دونالد ترامب نفسه قال انه دمر المفاعلات النووية الايرانية بقاذفات “2ـ B”    .  ولا شك أن وكالة الاستخبارات المركزية تعلم بعدم اتجاه ايران امتلاك القنبلة، والا لكانت الآن بين يدي آية الله خامنئي. عباس عراقجي جدد القول ان بلاده “لم تسع قط لامتلاك أسلحة نووية، وهي مستعدة للدخول في اتفاق نووي عادل ومنصف يضمن المصالح المشروعة للجهات الايرانية”.

واذ تم توجيه تهديد أميركي الى كل من تركيا وباكستان لعدم التجاوب مع السعودية وتشكيل حلف ثلاثي يمكن أن يستند الى القنبلة الباكستانية، يبدو أن الأرمادا العسكرية الهائلة التي انتشرت على شكل أحزمة النار، وضعت ايران أمام خيار الاستسلام الديبلوماسي أو الاستسلام العسكري، ما يواجه برفض قاطع من طهران، بعدما أبلغ عراقجي الرئيس رجب طيب اردوغان قبول بلاده بمفاوضات أميركية ـ ايرانية في تركيا.

لكن المشروع الأميركي ـ الاسرائيلي يقضي بتعرية بلدان المنطقة من أي سلاح استراتيجي، أو يمكن أن يؤثر ولو جزئياً، في الاختلال الهائل في موازين القوى. باختصار… اخلعوا هياكلكم العظمية!!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى