العالم العربيسياسة

وليد المعلم كما عرفته قبل ربع قرن..

 


كتب واصف عواضة:
توفي فجر اليوم في دمشق أحد أبرز وزراء الخارجية العرب،وزير الخارجية السورية ونائب رئيس الوزراء وليد المعلم عن 79 عاما،بعد 56 عاما أمضاها في خدمة الدبلوماسية السورية.
عرفت وليد المعلم أول مرة عام 1995 خلال زيارة للولايات المتحدة الأميركية برفقة الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين ،حيث كان المعلم سفيرا لبلاده في واشنطن على مدى تسع سنوات متواصلة،وقد تيسر لي أن التقيه في هذه الزيارة مرات عدة وأن أتحدث إليه مطولا في شؤون سوريا والشرق الأوسط والعلاقات مع الولايات المتحدة في مرحلة من أدق المراحل في تاريخ المنطقة حيث كانت تدور "مفاوضات السلام" بين العرب والكيان الصهيوني.
كان وليد المعلم مؤنسا في شخصيته وحديثه ،دمثا في تعاطيه مع الآخرين ،دبلوماسيا محترفا في ردوده وحازما في مواقفه في آن معا. سألته في أحد اللقاءات عن رؤيته لمستقبل المفاوضات بين سوريا وإسرائيل ،فروى لي حادثة معبرة جدا كان يمكن من خلالها تكوين استنتاج مسبق لما آلت اليه هذه المفاوضات لاحقا.وقد أوردت هذه الرواية في كتابي الصادر عام 2000 بعنوان "أميركا ..أميركا والآخرون"،ولاحقا في كتابي الثاني عام 2015 بعنوان "ليس كمثله يوم".

كان رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين قد اغتيل مساء الرابع من تشرين الثاني عام 1995 على يد متطرف اسرائيلي يدعى "إيغال عامير"، لدى إلقائه خطابا ناريا وسط عشرات الآلاف من أنصاره في تل أبيب،في مهرجان انتخابي لدعم حزب العمل ونهج السلام.كان الحدث كبيرا اهتزت له أركان الدولة العبرية والعالم ،لا سيما الولايات المتحدة التي كانت تراهن على نجاح عملية السلام بعد مفاوضات مؤمّلة بين العرب واسرائيل ،ولا سيما على الجبهة السورية.
سيطر الوجوم على معظم عواصم العالم.وحدها بيروت خرجت وتظاهرت واطلقت الرصاص ووزعت الحلوى ابتهاجا.ووحدها دمشق لم تظهر أي رد فعل على مقتل ما يفترض أنه "شريك السلام"،وكأن شيئا لم يكن.
لم يكن قد مضى أربعون يوما على اغتيال رابين عند وصولنا الى واشنطن ولقاء وليد المعلم.سألت السفير السوري باستغراب لماذا لم تبد دمشق اي رد فعل على اغتيال رابين ولاذت بالصمت المطبق.ابتسم المعلم وكأنه استذكر شيئا ما وقال لي هامسا: "اتصل بي دنيس روس(وسيط المفاوضات الأميركي في ذلك الحين) من الطائرة التي كانت تحمله والرئيس كلينتون من تل ابيب الى واشنطن بعد المشاركة في جنازة رابين، وسألني نفس السؤال معاتبا على عدم إصدار موقف سوري من إغتيال رابين ،فقلت له على الفور:"إسمع مستر روس..إن الرئيس حافظ الأسد يقول لكم إن مجرد الصمت السوري على إغتيال رابين، لهو أمر مكلف جدا في سوريا..وكفى".
أذكر يومها أنني أصبت بالوجوم أمام هذا الكلام ،بناء على التوهم الذي كان سائدا بأن معاهدة السلام بين سوريا واسرائيل قاب قوسين أو أدنى،ورحت أتساءل في داخلي عن السلام الموعود بين هذين البلدين،ما دام الصمت في سوريا على حدث كبير مثل اغتيال اسحاق رابين،مكلفا الى هذا الحد في سوريا،وكأن المطلوب أن تشمت سوريا باغتيال رابين أو تعبر عن سعادتها بذلك؟ وأي معاناة يتكبدها هذا الرجل الذي اسمه حافظ الأسد وهو يفكر ،مجرد تفكير،أنه يوما ما سيجلس مع الاسرائيلي لتوقيع معاهدة سلام ؟
تراءى لي يومها أن حافظ الأسد يفضل أن يموت ألف مرة قبل أن يجالس الاسرائيلي ويوقع معه اتفاقا ،بل هو يتمنى الموت قبل أن يرى العلم الاسرائيلي مرفرفا في سماء دمشق.وقد قلت لعدد من الأصدقاء بعد عودتي من وشنطن أن السلام بين سوريا واسرائيل دونه مسافات ومسافات ،ومن الصعوبة بمكان أن يتحقق وفق ما تراءى لنا في تلك المرحلة.وبعد خمس سنوات مات حافظ الاسد في العاشر من حزيران عام 2000 ،وصدق حدسي استنادا الى ما رواه لي السفير المعلم .مات حافظ الأسد من دون أن يضع يده في يد الاسرائيلي أو يوقع معه معاهدة أو اتفاقا، ومن دون أن يرى العلم الاسرائيلي مرفرفا في دمشق ،وهو لم يرفرف حتى الآن بعد عشرين عاما على رحيله،ولعله مات سعيدا لأنه لم يفعل ذلك.
تيسّر لي خلال ربع قرن أن ألتقي وليد المعلم مرات عدة وفي مناسبات مختلفة ،وكنت ألمس فيه المواصفات نفسها التي عرفتها فيه أول مرة.
قاد وليد المعلم، دبلوماسية بلاده في أحلك الظروف، وبقي في منصبه من عام 2006 إلى ساعة وفاته.وكان قد انتسب إلى وزارة الخارجية السورية في عام 1964، وعمل في عدة سفارات لبلاده في الخارج في مختلف القارات.
ترأس المعلم بعثة بلاده الدبلوماسية في واشنطن بين عامي 1990 – 1999، فيما عين مساعدا لوزير الخارجية في عام 2000، وفي عام 2005 نائبا لوزير الخارجية، وفي العام التالي وزيرا للخارجية.

وتميز المعلم في تصريحاته بلغة دبلوماسية هادئة وحازمة، على الرغم من الظروف القاسية التي تمر بها بلاده منذ عام 2011.
وعبّر خلال سنوات الأزمة عن سياسة دمشق، حيث شدد على سبيل المثال في أغسطس عام 2014 على أن أي عمل عسكري يستهدف الجماعات الإرهابية في سوريا يجب أن يجري بالتنسيق مع دمشق.
وفي مطلع العام ذاته، خاطب وزير الخارجية الأمريكي حينها جون كيري قائلا: لا أحد في العالم له الحق بإضفاء الشرعية أوعزلها أو منحها في سورية إلا السوريون أنفسهم.
علق وليد المعلم صيف العام الجاري على قانون قيصر الأمريكي ضد بلاده، مشيرا إلى أن "الهدف الحقيقي مما يسمى قانون قيصر هو فتح الباب لعودة الإرهاب، مثلما كان في العام 2011.. في سوريا معتادون على التعامل مع العقوبات الأحادية التي فرضت علينا منذ 1978 تحت مسميات عدة وصولا إلى ما يسمى قانون قيصر".
وفي نفس المناسبة، تطرق إلى علاقات بلاده مع المحيط العربي وقال في هذا الشأن: "ننظر إلى المستقبل في العلاقات العربية ولا ننظر إلى الماضي، لكن هل هم سادة قراراتهم؟ ونحن في سوريا سادة قراراتنا، وأبواب دمشق مفتوحة للجميع".
في الخلاصة سوف يسجل تاريخ سوريا ولاية وليد المعلم في  في صفحة بارزة،كأحد أهم الدبلوماسيين الذين عرفهم هذا البلد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى