سياسةمحليات لبنانية

هل ستقع الحرب الأهلية في لبنان؟

 

لست ممن يستسيغون وصف كل حالة متأزمة في واقعنا المتخبط بالمؤامرة، واتهام الخارج بالسعي حثيثاً لإغراق البلاد بالفتن والحروب والأزمات، لكن من يراقب الحركات المشبوهة التي تقع في الخمسين سنة الأخيرة، وما نرقبه في السنوات الأخيرة بالذات يعلم جيداً أن كثيراً من الظن والاتهام ليس إثماً بل هو من الوعي وحسن الفطن.
إن المراقبة الواقعية لما يحدث في لبنان، حيث تبرز وتبرق وتشعّ عند قمّته حركة المقاومة ضد الكيان الصهيوني ومخططاته، تجعلنا نسجل بعض النقاط الواضحة والصريحة:
أولاً: لقد بدأ التخوين الوقح للمقاومة وسلاحها منذ التحرير سنة 2000، (مع التسليم أنه كان حاضراً قبله)، وضُخّت المليارات لتشويه صورتها وصورة أمينها العام، ولم يفلح عدوان 2006 في القضاء عليها، أو العبث في قاعدته الشعبية، بل إن العكس تماماً قد حدث.
ثانياً: اعتبار سلاح المقاومة سبب كل مشكلة أو أزمة تقع في لبنان، وتسليط الضوء على ذلك داخلياً وعربياً ودولياً. فمن يحارب إسرائيل ويهزمها لا يمكن أن يعيش ومن يؤيده أي نوع من أنواع السلام.
ثالثاً: لقد تبدّل اتجاه الانتفاضة الشعبية التي بدأت في تشرين 2019 لتتحول في الوجدان أولاً، وعلى الأرض ثانياً، من حركة مطلبية يباركها الجميع إلى سيف مسلط على سلاح المقاومة والدويلة ضمن الدولة، ليصبح الهدف الأساس هو تطبيق القرارا 1559.
رابعاً: التبدّل النوعي في حركة الانتفاضة، والتي شجبها، صدقاً أو كذباً، أكثر أحزاب السلطة والعابثين بالدولة وأركانها سنوات طوالاً. فقد كانت السمة العامة لهذه الحركة أخيراً التخريب والتكسير للأملاك العامة والخاصة وقطع الطرقات. وكان أبرز المناطق تضرراً بيروت وطرابلس. وقد لوحظ بروز اللهجة الطائفية والمذهبية والمناطقية على ألسنة العامة من الناس بالإضافة لمن يعتبرون النخبة في البلد (كلام المشنوق والحريري وغيرهما).
رابعاً: الوضع الاقتصادي المأزوم في لبنان، وانهيار الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي، ما أوقع غالبية الشعب تحت خط الفقر، وقد يصبر المرء على كل الموبقات لكنه لن يصبر على بكاء أطفاله جوعاً.
خامساً: إن فرض قانون قيصر على سوريا لتركيع الشعب السوري ودولته لا ينفصل وقعه بأي حال من الأحوال عن لبنان، نظراً للعلاقة التاريخية والجغرافية والاجتماعية والسياسية و… بين لبنان وسوريا، ليكون العقاب على لبنان أشد وطأة لأسباب عديدة ليس هنا محلها.
سادساً: يجب أن تبقى في البال قضية صفقة القرن، وابتلاع ما تبقى من فلسطين وتهجير من تبقى من أهلها إلى أراضٍ عربية مستسلمة. وإسرائيل تتحيّن الفرص دائماً لتطبيق خططها الشيطانية بمساعدة الغرب والولايات المتحدة، والحاضر وما يشوبه هو من أفضل تلك الفرص.
لم تستطع إسرائيل وحلفاؤها القضاء على سلاح حزب الله، كما لم يستطع بعض الداخل اللبناني التأثير سلباً على أغلبية الشعب اللبناني في ما يتعلّق بهذا السلاح، لذلك فإن الاتجاه قد يميل إلى سبيل آخر وهو إثارة الفتن لوقوع حرب أهلية جديدة تتمكّن الدول المتربصة من التدخّل باسم عناوين كثيرة، كلها يصبّ في مصلحة الكيان الصهيوني ولن يكون فيه سوى الضرر الأكبر على كل لبنان ومن خلفه سوريا.
لذلك على الحكومة أن تضرب بيد من حديد كل ما يتهدد السلم الأهلي الذي شهدنا مقدماته في الأيام الأخيرة ورأينا تقاعساً غريباً من القوى الأمنية، إضافة إلى العمل على تحريك عجلة الاقتصاد وخفض سعر الدولار والمواد الغذائية لكي تعطي للجائعين فرصة ولو كانت قصيرة للصبر قليلاً ،ومنحهم شيئاً من الثقة بالحكومة التي ضاعت أو تكاد تضيع. على الحكومة أن تخطو خطوات جبارة في هذه الآونة لأن المرحلة استثنائية في صعوبتها ووعورتها، وهي وإن كانت إرث المجرمين واللصوص من قبل لكن الناس لن يقبلوا التبرير بعد الآن، بل لا شيء سوى العمل المنتج الذي يطفئ ناراً ويسدّ رمقاً ويمسح دمعة طفل جائع أمام غضب أبيه.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى