سياسةمحليات لبنانية

نهايات مرحلة تاريخية: من إنفجار مرفأ بيروت إلى ترسيم الحدود

 

د. نظير جاهل* – د. يوســــف كلوت* -الحوارنيوز خاص
أعد الباحثان الدكتور نظير جاهل والدكتور يوسف كلوت دراسة عن المسار العام لتطور الأحداث. ويعبر الباحثان عن رأيهما في السياق التاريخي لما آلت إليت الأحداث. وقسمت الدراسة الى ثلاثة أقسام هي:
– الطلائع القومية وطلائع الإسلام السياسي
– إنفجار مرفأ بيروت
– ترسيم الحدود

نص الدراسة:

  ُيصوِّر الخطاب السائد رغم تنازع القوى السلطوية التي تنتجه وترسّخه أن ترسيم الحدود ليس إلا مسألة تقنية تم تأجيلها إلى اليوم، وهو يفصلها هكذا عن المسار الإنحداري الذي يحكم لبنان والمنطقة عامة. وكذلك قدَّم هذا الخطاب إنفجار مرفأ بيروت على أنه حادث عرضي فاصلاً إياه عن سياق الأحداث واللحظة التاريخية الراهنة.
والواقع أن هذا التغييب لدلالة الأحداث لا يُفسَّر بالقصور النظري، بل يعود إلى تحوُّل الخطاب السياسي والإعلامي إلى خطاب لا تاريخي يُعبِّر عن حالة الشلل التي وصلت إليها "قوى الممانعة" والقوى المحلية المتنازعة معها على حدٍ سواء، وذلك بفعل كون كلا الطرفين منطويين في حقل السيطرة الدولية المباشرة على المنطقة، الطرف الأول بالتطويق والطرف الثاني بالإرتهان.
إن فكرة التوازن الأميركي الإيراني تبدو تحت وطأة بروباغندا الإعلاميين و"الخبراء" وكأنها معطى ميتافيزيقي في حقل لا زمني، معطى يُعبِّر -كما يُصوَّر إعلامياً -عن حقيقة  أوليّة لا تتأثر بمجريات الأحداث التي تتجه دائماً باتّجاه تحقيق هذا التوازن وتنتظم على قاعدته. ويتفرَّع عن هذه الفكرة الموهومة التي لا تتأصل على أي وقائع حقيقية فكرة ثانية تتمثل بكون المقاومة معطى مفارق للسنن التاريخية أو قوة ذات مناعة على الحدثي، أي قوة لا تُخترق بالنسبة لأنصارها أو بالمقابل بعين بعض خصومها المحليين قوة سلبية تتحكَّم بمحيطها من خارج بنيته دون أن تتأثر بانهياره.
يتطلب فك شيفرة نظام إقفال هذا الخطاب اللاتاريخي تعيين منشئه بالعودة إلى أصوله الطليعية القومية وإلى كيفية تجذُّره في حقل طلائع الإسلام السياسي على تنوعها واختلاف بناها العقدية والقييمية والصراعات الدامية فيما بينها، وذلك لإلتقاط التطورات الإنهيارية الراهنة التي تؤشر إلى مرحلة تاريخية دخلت في زمن نهايتها.
الطلائع القومية وطلائع الإسلام السياسي
  إستهلكت الطلائع العسكرية القومية وطلائع الإسلام السياسي على أنواعها وأنواع نزعاتها ونزاعاتها الدامية الناس، وذلك باستعارة واستعادة الإنقسامات المذهبية التاريخية، بغية الدخول الموهوم في حقل النفوذ الدولي الإقليمي أو تحسين مواقعها فيه بالإعتماد على المس أو التهديد بالمس بالأمن الأميركي والأوروبي من جهة أو بتذاكي المساهمة بالدفاع عن هذا الأمن بمكافحة ما حدَّدوه عالمياً بمصطلح الـ "إرهاب" من جهة ثانية.
وقد أدَّى تنازع هذه الطلائع إلى مزيد من التجزئة بخطوط الدم المذهبية والأقوامية، أي أسوأ من التجزئة الجغرافية التي نشأت بفعل إتفاق سايكس – بيكو – سازانوف، وما حصل فعلاً هو أنّ القوة الغربية امتصَّت، مستثمرة هذا التنازع، العنف الذي مس بأمنها، وحتى الطاقة السياسية التي أنتجتها المقاومة في لبنان حين طالت التفوق الأمني العسكري الإسرائيلي، وردتهما كدينامية سلبية تدميرية إلى حقلنا الإقليمي بعد تهيئة مجاري العنف اللازمة. فهذه القوة الغربية هي بالأصل سلطة طاغية تقوم على تدمير الخارج واستتباعه. وقد حصل ذلك في هذه المرحلة إمَّا بالإقتحام المباشر ثم الإنسحاب التكتيكي وإحداث فراغ والتحكُّم من الخارج بالإدارة العامة والشاملة لحقل القوة على الطريقة الأميركية، وإمَّا بالإندفاع ميدانياً والتمركُز وإدارة الحقل من داخله على الطريقة الروسية. وما تبيَّن الآن أن استراتجية هذه الطلائع، المحكومة من حيث نشأتها بسقوط المنطقة التاريخي بعد الحرب العالمية الأولى، إنطلقت من فكرة واحدة وهي عدم قدرة النظام السلطوي الأمني السياسي الغربي على تحمُّل أي إختلال داخله واضطراره، لحفظ انتظامه الدقيق المحسوب، إلى التفاوض مع القوى الطليعية الإقليمية التي تُحدثه، أو مع تلك التي تُسهم بمواجهته متحركة بالتذاكي لمكافحة ما حُدِّد عالمياً بمصطلح الـ "إرهاب". إلا أنَّ النظام الأمني الغربي حين استطاع  فصل الحقل الإقليمي عن حقل سيطرته العام، ومن ثم التحكُّم به بتطويقه وتفريغ طاقته، استطاع تحويل عنف الطلائع المحلية، التي لم تعد تستطيع إقتحام هذا الحقل أو تهديد أمنه أو فرض وجودها في داخله أو الإضطلاع بدور في سياق وجهته، وبالمقابل لم تعد تستطيع الخروج من سطوته، ومن ثم دفع بهذه الطلائع  إلى تدمير ذاتي أو إلى إستهلاك طاقة الناس وتفكيك علاقاتهم الأهلية ومشاركة القوى الناهبة، بتقويض مقومات حياتهم لفرض نفسها كطرف فاعل في طي التوازن السلبي الدولي الإقليمي المعطِّل والمدمِّر.
وقد تحكَّم هذا النظام الأمني الغربي بإدارة العنف، ونجح بنقل الأحداث التفجيرية الكبرى إلى قلب الحقل الإقليمي سيما في لبنان والعراق وسوريا. وذلك بالقيام بها مباشرة كما حصل بالنسبة لاغتيال الجنرال قاسم سليماني أو استثمارها بغض النظر عن أسبابها أو مفتعلها. فهكذا أدَّى اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى بداية وضع النظام السوري خارج  إدارة التوازن الإقليمي. وكذلك وُجِّهت طاقة العنف التي أنتجها تفجير مرفأ بيروت باتجاه كسر أو إضعاف تحكُّم حزب الله بحقل توازن السلطة اللبنانية التي يتشبَّث بها رغم فسادها وارتهانها بانتظار استعادة التوازن الأميركي الإيراني الذي بات أقرب إلى الوهم القاتل، وقد أدخل هذا التفجير لبنان في سياق التدويل السياسي والأمني بعد التدويل الإقتصادي والمالي والنقدي، وفتح السياقات باتجاه ترسيم الحدود.
إنفجار مرفأ بيروت
  كشف إنفجار مرفأ بيروت حدود نظرية الردع التي اعتمدها حزب الله بعد كسره لهجوم العدو الإسرائيلي في حرب تموز ٢٠٠٦، هذه النظرية التي تقوم في آنٍ معاً على توظيف قوته الردعية في مواجهة العدو من جهة، ومن جهة ثانية على الاستمرار في تحويل لبنان إلى ساحة للإضطلاع بدور إقليمي يصبّ في وهم تقاسم النفوذ في حقل التوازن الأميركي الإيراني. وقد قادت فكرة هذا التوازن الموهوم الحزب إلى الإنخراط في التركيبة السلطوية المرتهنة، وأسهم بذلك في إفساد الكيان اللبناني وتحويله إلى ساحة ومن ثم إلى بؤرة متفجِّرة قابلة للإختراق، ليس فقط على المستوى الإقتصادي والإجتماعي بل وعلى المستوى الأمني أيضاً. وقد عزَّز هذه الدلالة الأمنية للتفجير ما ورد في خطاب رئيس وزراء العدو من تهديد مبطن لمطار بيروت والضاحية الجنوبية في كلمته بالأمم المتحدة تأسيساً على إنفجار المرفأ كنموذج تدميري. وبالفعل فإنَّه من الصعب المحافظة على المناعة الأمنية دون مواجهة حقل الإرتهان السلطوي أو الإنسحاب منه، فكيف إذا كان الحال هو الإنخراط فيه، إذ ما تسبَّب ويتسبب به أطراف السلطة من إفساد وفساد إقتصادي وإجتماعي وإداري طال ويطال مباشرة هذه المناعة.
كشف هذا الإنفجار أكان ناتجاً عن تخلُّع الساحة وفسادها أو عن إختراقها بسبب هذا الفساد والتخلُّع، الخلل في هذه النظرة الطليعية التي تتأسَّس على وهم، وهو إمكانية تعديل ميزان القوى مع السيطرة الغربية في حقل عسكري أمني محكوم بإدارتها القائمة على الدمج الإستراتيجي بين القوة العسكرية والأمنية والإقتصادية والرمزية لإعادة إنتاج تماسك حقلها وتفكيك الحقل الإقليمي، بما جعل هذا الحقل بؤرة قابلة للإختراق ولمجمل النزاعات البينية القاتلة. هكذا أدَّت هذه النظرية العملانية الطليعية التي تنطحت للتأثير على نظام السيطرة الغربية بوسائل عسكرية أمنية مشحونة بطاقة رمزية مذهبية مفارقة لإعادة إنتاج نسيج الحياة الوطنية، أدَّت إلى تفكيك هذا النسيج وإلى إضعاف مناعته.
لقد كشف هذا الإنفجار في لحظة مكثِّفة للمرحلة التي انطبعت بنشاطية هذا النموذج العسكري الأمني المتآلف مع  قوى سلطوية مرتهنة، أنه بدل أن يوفِّر المناعة والقدرة على التصدي للنظام الغربي المهيمن،  تحوَّل إلى مدخل لتحكُّم هذا النظام عبر تفكُّك الكيان وإفساد مجمل دوراته الحياتية.
ترسيم الحدود
  في ظل هذا الهجوم الأميركي المتشابك الأبعاد الذي يدمج بين العقوبات المالية والحصار الإقتصادي مؤسِّساً على الإفلاس بالنهب وبين الإختراقات الأمنية لإضعاف دور بيروت على المتوسط والإختراق السياسي للإنتفاضة الشعبية، وبعد إنهيار التوازن السلبي في العراق وانحسار الدور الإيراني في سوريا وبدء زمن التطبيع الشامل وتهويد القدس وضم الجولان واختلال معادلة الردع التي قائم حزب الله عليها كما بينَّا سابقاً، يندرج ترسيم الحدود في إطار إنهاء معادلة الكيان كساحة خاضعة للتوازن الأميركي الإيراني حيث كان يلعب حزب الله كقوة مسلحة دوراً رئيسياً في التوازن. من هنا يأتي الترسيم أياً تكن صيغة العلاقة بين لبنان والعدو الإسائيلي التي ستعقبه، كمؤشِّر على نهاية التوازن  وضمور الدور الإيراني وكبح فاعلية السلاح الذي كان يكتسب شرعيته من حالة اللاحدود مع عدو غاصب، إذ المفاوضات على الحدود بين دولتين هي مفاوضات إنشائية تُنشئ حقوقاً وتتضمن إعترافاً متبادلاً.
من غير الممكن إعتبار تحويل آخر الجبهات مع العدو الصهيوني إلى حدود مرسومة بين " لبنان وإسرائيل" مجرد معطى تقني. إنه يحمل على العكس من ذلك دلالة تاريخية كبرى. إنه مؤشِّر على تعميق سقوط المنطقة الذي تمثل بشل دور مصر الناصرية بمعاهدة كامب ديفيد. إنه مؤشر على أن السلطة الإيرانية استهلكت طاقات الثورة الشعبية في إيران وطاقة مقاومة شعوب المنطقة في توازنات سلبية من باطن الوجهة الأميركية التفكيكية، ولم تسهم ببناء أي قوة تاريخية صاعدة. وإذا كان السقوط التاريخي الأول المتمثل بانهيار السلطنة العثمانية ووقوع المنطقة تحت السيطرة الإستعمارية المباشرة قد أدَّى إلى اغتصاب فلسطين، فالسقوط الراهن الذي يكتمل في ترسيم آخر الحدود مع العدو الصهيوني، بما هو عدو، هو الذي يدفع إلى هذا الترسيم. وهو لذلك ترسيم يندرج في سياق تطبيع وجود الدولة اليهودية وإن لم يصل إلى المصافحة والتطبيع الشكلي. ولذلك أيضاً فإن رفض هذا الترسيم دون الخروج  من السياق الإقليمي الذي يستهلك الكيان اللبناني لن يؤدي إلا  إلى زوال هذا الكيان وهو لا يرسم لوحده أي وجهة صاعدة بديلة.
غير أنه ورغم ذلك ما يزال مخزون القوة الذي راكمته حركات المقاومة في لبنان منذ الخمسينيات قابلاً ليتحول إلى آداة صد فعَّالة لهذا الهجوم الأميركي، وذلك بالإسهام في إستنهاض كتلة شعبية وطنية بدل قمعها واستنزاف هذا المخزون في الدفاع عن توازن إقليمي سلطوي غير ممكن، وصرفه للمشاركة في سلطة محليَّة منهارة وفي إعادة إنتاج طائفة ولائية. إنه إحتمال بات هو الآخر شبه مستحيل ونورده لا من باب التمنِّي بل لتبيان أن ما حصل ويحصل ليس قدراً محتوماً قاهراً للخيارات التاريخية
* نظير جاهـــــل: أستاذ متقاعد في معهد العلوم الاجتماعية – الجامعة اللبنانية.
* يوسـف كلوت: دكتوراه في علم الاجتماع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى