سياسةمحليات لبنانية

نقاش قانوني في قضية الفاخوري

 

العميد د.عادل مشموشي


أثار الحكم بوقف التعقبات الصادر عن المحكمة العسكرية الدائمة بحق العميل الفاخوري (والذي جاء لمصلحته رغم دناءة وخطورة الأفعال الجرمية المنسوبة إليه) زوبعة من الانتقادات، وصل بعضها إلى حد التخوين، وربما إهدار دماء أعضاء المحكمة العسكرية الدائمة ،وسُلِّط الضوء على شخص رئيسها العميد حسين العبد الله بالذات.
لست في معرض الدفاع عن أعضاء المحكمة، بل من قبيل الإنصاف والاحتكام إلى حكم القانون، وبالتحديد القوانين الجزائية المرعية الإجراء: أي قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية وقانون القضاء العسكري.
إن المحكمة العسكرية الدائمة، والتي يرأسها ضابط، وتتشكل هيئتها من خمسة أعضاء من بينهم قاض مدني، اما الباقون فهم ضباط من الجيش اللبناني في الخدمة الفعلية، وليس من شك في ولائهم الوطني، إن هذه المحكمة كغيرها من المحاكم الجزائية ملزمة بالتقيد بالنصوص القانونية في حال وضوحها، إذ لا  مجال للاجتهاد أو التفسير عند وضوح النص.
من يطلع على حيثيات الحكم (كما نشرت) يعي جيدا ان المحكمة استندت في قرارها بوقف التعقبات بحق المتهم (العميل فاخوري ) إلى نص المادة ١٦٣ من قانون العقوبات في فقرتها الثانية ،والتي تنص على" مدة مرور الزمن على العقوبات الجنائية المؤقته ضعف مدة العقوبة التي حكمت بها المحكمة، ولا يمكن ان تتجاوز عشرين سنة او تنقص عن عشر سنوات" ،وهذا يسري على الحكم الغيابي الصادر بحق العميل فاخوري عام ١٩٩٨ ،والذي قضى بحبسه مدة خمسة عشر عاما، والتي تسقط بمرور ضعف مدة العقوبة ،على الا تتجاوز عشرين سنة. كما استندت لنص المادة العاشرة من قانون أصول المحاكمات الجزائية بالنسبة لمرور الزمن على الافعال المنسوبة إليه خلال فترة مسؤولياته في معتقل الخيام قبل انسحاب العدو الاسرائيلي من لبنان عام ٢٠٠٠، والتي وردت في دعاوى الحق الشخصي والافادات التي ادلي بها امام قاضي التحقيق العسكري فور دخوله الى الاراضي اللبنانية عام ٢٠١٩.
وتنص المادة العاشرة المنوه عنها على:
" تسقط دعوى الحق العام لسبب من الأسباب الآتية:
أ. بوفاة المدعى عليه.
ب. بالعفو العام.
ج. بمرور الزمن مدة عشر سنوات في الجناية وثلاث سنوات في الجنحة وسنة في المخالفة.
د. بسقوط دعوى الحق الشخصي في الحالات المنصوص عليها في القانون.
– يبدأ سريان مرور الزمن في الجرائم الآنية من تاريخ وقوعها. أما في الجرائم المستمرة أو المتمادية أو المتعاقبة فلا يبدأ إلاّ من تاريخ انتهاء الحالة الجرمية.
– يقطع كل عمل من أعمال الملاحقة أو التحقيق أو المحاكمة مرور الزمن على الدعوى العامة.
– إن الأسباب التي تقطع مرور الزمن على الدعوى العامة تقطعه أيضا على دعوى الحق الشخصي. غير أن الأسباب التي تقطعه على دعوى الحق الشخصي لا تؤدي إلى قطعه على الدعوى العامة.
– يتوقف مرور الزمن عن السريان إذا استحال، بسبب قوة قاهرة، إجراء أي عمل من أعمال الملاحقة أو التحقيق أو المحاكمة، ويعود إلى السريان فور زوالها….. ."
وعليه يتبين لنا جليا ان النص يملي على المحكمة قانونا النطق بوقف التعقبات، خاصة وانه قد مضى على آخر إجراء من إجراءات الملاحقة  مدة تزيد عن العشرين سنة، أي ضعف المدة التي يتطلبها القانون لمرور الزمن، قبل تحريك الدعوى مجددا فور قدومه الى لبنان.
وعليه فإن السؤال الذي يطرح نفسه، أين هو الخلل إذن؟وهل من تقصير أدى إلى إفلات مجرم كعامر الفاخوري من العقاب؟؟؟، ومن يتحمل المسؤولية في حال وجودها؟؟؟
ورب سائل يسأل الم يكن بالإمكان بل من واجب الإدعاء العام، أي مفوض الحكومة ومعاونيه ،باعتبارهم سلطة ملاحقة الاستمرار في تحريك الملف ولو بإجراء بسيط قبيل مرور عشر سنوات على آخر إجراء من إجراءات الملاحقة؟
هذا صحيح ولكن قبل قرار المحكمة العسكرية الدائمة بهيئتها الجنائية، اعتبار الفاخوري متهما فارا من وجه العدالة، ومن ثم محاكمته كمتهم فار من وجه العدالة وفق اصول محددة وأصدارها حكما غيابيا بحقه قضى بإنزال عقوبة ١٥ عاماً اشغالا شاقة، ففي مثل هذه الحالة ينبغي العمل على توقيفه والتقدم بطلب استرداد للدولة التي يحتمل تواجده فيها لمحاكمته مجددا طالما امتنع عن تسيلم نفسه طوعا للمحكمة.
إن الحكم الغيابي البالغ ١٥ سنة يكون قد سقط بمرور ٢٠ سنة كما سبق وبيّنا، وبما ان المتهم المحكوم عليه غيابيا قد سقط عنه الحكم الغيابي بمرور الزمن، يبقى على المحكمة النظر بما نسب اليه حديثاً من افعال ارتكبها في معتقل الخيام .وهنا يقتضي إعمال نص المادة العاشرة من قانون اصول المحاكملت الجزائية، وهذا ما اخذت به المحكمة وتوسعت في شرحه وتوضيحه، وهذا يدل على وعي هيئة المحكمة لمخاطر  وتبعات قرار وقف التعقبات بحق العميل الفاخوري.
السؤال التالي الذي يطرح نفسه هو: هل تواجد العميل الفاخوري في دولة العدو يشكل قوة قاهرة يمكن الاستناد إليها لإسقاط الفترة الزمنية التي قضاها في الكيان الاسرائيلي من مهلة العشر سنوات ،خاصة وانه لا يمكن إحالة طلب استرداد لدولة عدوة؟
انه لأمر بحاجة إلى قرار قضائي جريء يشكل سابقة قضائية واجتهادا محمودا في إطار صون العدالة وإحقاق الحق، وربما غاب هذا الأمر عن بال أعضاء المحكمة، او ربما تبين أن الفاخوري العميل قضى فترة تزيد عن عشرة سنوات خارج الكيان الأسرائيلي بعد صدور الحكم الغيابي بحقه.
اما القول بأن محكمة التمييز ردت الطعن بقرار قاضي التحقيق الذي تقدم به وكلاء العميل المتهم من حيث الشكل يلزم المحكمة العسكرية الدائمة معنويا، انه لقول مردود نظراً لانها تكون في هذه الحالة تقوم بدور الهيئة الاتهامية ولا رقابة لها او سلطة ملزمة على المحكمة العسكرية الدائمة بهيئتها الجنائية.
وهنا التساؤل الأهم: هل ينبغي أن تمر حادثة إفلات العميل فاخوري من العقاب مرور الكرام؟؟؟
طبعا لا، إذ كان الأمر يستوجب صحوة قضائية او نيابية أو حكومية حول مسألة مرور الزمن على هذا النوع من الجرائم وغيرها من الجرائم الخطرة، واستثنائها من مفاعيل مرور الزمن العشري. إذن ينبغي العمل وبعجالة على إقرار قانون معجل يقضي بعدم شمول جرائم الارهاب، والجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي او الداخلي، وكذلك جرائم تبييض الاموال وجرائم الفساد من مرور الزمن، سواء الثلاثي بالنسبة للجنح او العشري بالنسبة للجنايات.
يبقى التساؤل عن الأسباب التي اوصلتنا إلى هذا الدرك وكسر هيبة الدولة وتفشي ظاهرة الفجور لدى أخطر المجرمين!!!!
نقولها بصراحة، إنها سياسة تبويس اللحى والكيل بمكيالين التي اعتاد الشعب اللبناني عليها، ومحاولة تزيين سوءة أفعال كبار المجرمين ، والمبالغة في البحث عن تبريرات لأفعالهم الشنيعة كما هو الحال بالنسبة لتجار المخدرات.
كلنا يذكر محاولات تبرير سلوكيات المتعاملين مع الكيان الاسرائيلي، ومحاولات إظهارهم كمواطنين صالحين ساقهم القدر إلى التعامل مع العدو، وكلنا يذكر الضغوط السياسية التي مورست من اجل اعتماد نهج شبه موحد للعقوبات التي ينبغي انزالها بالعملاء، والتي تراوحت ما بين سنة وثلاثة سنوات.
وإن كان من طبع بني آدم النسيان فإننا لا ننسى قضية العميد فايز كرم الذي يسرح ويمرح وكأن لديه شهادة بالعفة والنزاهة، وربما ينجح يوماً ما في الوصول إلى الندوة البرلمانية، وكيف للبنانيين أن ينسوا الحكم الذي صدر عن المحكمة العسكرية الدائمة بحق أحد السياسيين الذي كان يهرّب ما يقارب ٢٤ عبوة ناسفة اعترف انه كان ينقلها بهدف تفجيرها خلال التجمعات بدور العبادة ولاغتيال سياسيين ورجال دين لغرض إثارة الفتنة، كل هؤلاء عملاء خففت عقوباتهم خلافا لكل الاصول والمبادئ الاجتهادية القضائية، واستعيض عن تشديد العقوبات بحق أخطر المجرمين بتخفيضها.
إن انعكاسات تخفيف العقوبات بحق كبار المجرمين لا تقتصر آثاره السلبية على قصور في إحقاق الحق لعدم التناسب ما بين الفعل الجرمي والخطورة الجرمية من جهة والعقوبة من جهة ثانية، بل شكل ويشكل حافزاً لعودة العملاء المحكوم عليهم لخيانة الوطن بأشكال وأساليب أخرى، وربما يدفع بأفراد جدد للانخراط في صفوف العملاء والتآمر على الوطن طالما شعروا بالتهاون مع سلوكيات شنيعة مشابهة.
أكتفي بهذا القدر، متمنيا عدم المغالاة والمزايدة في هذا الملف، خشية أن يستغل البعض التماهي بتوجيه النقد السياسي، وتحريف الواقع والمعطيات محاولا تمرير ما يرضون عنه بأقل كلفة سياسية ممكنة، كما يهمني التأكيد على وجوب الإقلاع عن إخضاع أعضاء المحكمة لمساءلات إعلامية لا تستند إلى وقائع صحيحة او لجهل او نقص في المعرفة بالنصوص القانونية وأصول المحاكمة الجزائية.
فلنتق الله في مقاربتنا للمسائل المثارة ولنحفظ للأفراد كراماتهم.وإن كان لا بد من مساءلات ومحاسبة فليكن عن الاخلال في ملاحقة من يختلقون الجنايات لأبرياء، ولمن يبرئ كبار المجرمين ويمعن في ملاحقة المغلوب على إمرهم من أتباع ومستزلمين، دفعتهم الحاجة إلى امتهان حماية ديك الحي او نافذ مزعوم،أو ملاحقة الذين احجموا عن الفصل بملفات من نعتوا بالاسلاميين، وما الضير فليدانوا إن كانوا فعلا مرتكبين.
كل ذلك كان يحصل منذ ما قبل ولاية هيئة المحكمة الحالية.
والله على ما اقول شهيد.

*عميد متقاعد .دكتوراه في القانون الجزائي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى