رأي

من يحكم البلد:الحاكم أم الحكومة؟

 

في زحمة الأنباء والمعلومات المتداولة في الأربع والعشرين ساعة الماضية ،عن جولات وصولات لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة في ظل الانهيار السريع للعملة الوطنية اللبنانية ،وما ينجم عن ذلك من غلاء للأسعار واحتجاجات شعبية تصاعدت خلال الليلة الماضية على الرغم من حالة التعبئة العامة ومنع التجول..في هذه الزحمة السوداء كان من الطبيعي أن يطرح سؤال واضح لدى المتابعين عمن يحكم البلد :حاكم البنك المركزي أم حكومة حسان دياب؟
في الدستور والقانون تبدو المسألة محسومة .فالحكومة هي من يفترض أن تحكم من خلال "مجلس الوزراء مجتمعا" باعتباره السلطة التنفيذية العليا في البلاد ،وأن حاكم مصرف لبنان هو مجرد موظف تعينه الحكومة وتقيله متى تشاء،وأن مصرف لبنان بالذات ليس جمهورية مستقلة داخل الجمهورية اللبنانية ،أيا كانت مضامين قانون النقد والتسليف التي تخول حاكمية البنك المركزي الكثير من الصلاحيات النقدية.
أما في السياسة والأعراف فالقضية أعقد من ذلك بكثير ،حيث يتداخل المحلي بالخارجي في إدارة شؤون البلاد ،فيصبح موقع الحاكم شأنا مرتبطا بالسياسة والمصالح والطوائف والمذاهب وإرادات الدول الكبرى ،وفي نافوخها الولايات المتحدة الأميركية.
إلا أن كل ذلك لا يعفي الحكومة من المسؤولية في مواجهة ما آلت اليه شؤون البلاد والعباد،ومن خلفها مجلس نيابي يعود اليه الحسم في المشاريع والاقتراحات المطروحة ،في نظام برلماني يفترض أن ينهج الديموقراطية سبيلا. 
صحيح أن ثمة من يريد من حسان دياب في هذه المرحلة الصعبة أن يتمتع بشفافية وطهارة المسيح بن مريم ،وحزم عمر بن الخطاب ،وحكمة وعدل علي بن أبي طالب ،ودهاء معاوية بن أبي سفيان .فهل يمكن أن تجتمع هذه الصفات في رجل واحد؟
ليس أسهل على حسان دياب في هذه الأيام من أن يرفع الراية البيضاء ويستقيل، مثلما فعل عمر كرامي عام 1992 ، ملقيا أعباء المرحلة على أهل السياسة الذين لم يخرج من صفهم ولا من طينتهم.لكن حتى الآن لم يظهر أن الرجل عازم على ذلك ،إلا أنه قد يفعل إذا ما سدت كل الطرق في وجهه لإنقاذ البلد ،وإذا ما استمر الآخرون في التعامل معه على قاعدة "إذهب أنت وربك فقاتلا ،إنّا ها هنا قاعدون".
ومع ذلك كله ،وأمام ما آلت إليه أوضاع البلد ،لم تعد الحكومة تملك ترف الوقت لكي "تشمّر" عن زنودها وتثبت للناس أنها هي التي تحكم وليس حاكم البنك المركزي.أما كيف،فإننا كمواطنين لا ندعي حصرية تقديم المواعظ ،لأننا لا نملك كل المعطيات التي تخولنا وصف الدواء الشافي لحالتنا المزرية.لكننا نرى بوضوح أن الوقت بات يلعب ضدنا وضد الحكومة وضد الناس أجمعين،ولا يعتقدن أحد أنه معفي من المسؤولية .والسلام على من اتبع الهدى.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى